(التفاصيل)
يسألون عن تفاصيل حياتك…
ويُخبئون تفاصيلهم.
لكن الأدهى ليس أنهم يُخفونها،
فلكل إنسانٍ حقٌّ أن يجعل من حياته بابًا لا يُفتح إلا لمن استحق الدخول.
الأدهى…
أنك حين تقرر أن تُغلق نافذتك، كما أغلقوا نوافذهم،
وحين تختار أن تجعل من خصوصيتك سورًا يحمي قلبك لا جدارًا يعزل الناس عنك،
يتهمونك بما ليس فيك،
ويُلصقون بك من الصفات ما يُرضي غرورهم،
ويُشبع فضولهم،
ويُسكّن ذلك الجوع المزمن الذي يسكن بعض الأرواح؛ جوع التطفل، لا جوع المعرفة.
فبعض البشر لا يبحثون عن الحقيقة…
بل يبحثون عن ثغرة.
ولا يسألون ليطمئنوا عليك…
بل ليجدوا ما يتحدثون عنه بعد انصرافك.
هم كمن يحمل مصباحًا في وضح النهار، لا لأنه يحتاج إلى الضوء، بل لأنه يُصرّ على أن يبحث عن ظلٍّ يعيب به الشمس.
ولو فتحت لهم أبواب حياتك كلها، لقالوا:
“لماذا لم يفتح النافذة؟”
ولو فتحت النافذة، لسألوا:
“ولماذا أغلق الباب؟”
فهم لا يبحثون عن جواب…
بل عن سؤالٍ جديد.
ولذلك فإن إرضاءهم يشبه محاولة ملء البحر بكأس ماء.
كلما أعطيتهم معلومةً، طلبوا أخرى.
وكلما كشفت لهم صفحةً من حياتك، أرادوا قراءة الكتاب كله.
ثم إذا انتهى الكتاب…
بحثوا بين السطور عن كلماتٍ لم تكتبها.
إن فضول بعض الناس لا يشبه فضول الطفل الذي يسأل ليتعلم،
بل يشبه نارًا تأكل كل ما يقترب منها.
كلما ألقيت فيها خبرًا، طلبت خبرًا آخر.
وكلما أطعمتها سرًّا، اشتهت سرًّا أكبر.
إنهم لا يكتفون بمعرفة الحقيقة،
بل يريدون معرفة ما قبلها، وما بعدها، وما وراءها.
يريدون أن يعرفوا لماذا ابتسمت…
ولماذا صمت…
ولماذا تأخرت…
ولماذا تغيّرت…
حتى يصبح الإنسان وكأنه متهمٌ في محكمةٍ لا تنتهي جلساتها.
ويا للعجب…
حين تصمت احترامًا لخصوصيتك،
يقولون: إنه متكبر.
وحين تتحدث بقدر،
يقولون: إنه غامض.
وحين ترفض التدخل،
يقولون: إنه يخفي شيئًا.
كأن الصمت في قاموسهم اعتراف،
والخصوصية تهمة،
والهدوء دليل إدانة.
ولو علموا أن بعض القلوب لا تُغلق أبوابها كِبرًا،
بل خوفًا من الأيدي العابثة،
لفهموا أن الخصوصية ليست جريمة،
بل حقٌّ من حقوق النفس.
إن الروح تشبه الحديقة.
وليست كل حديقةٍ تسمح لكل عابرٍ أن يقطف وردها.
فمن الناس من يدخل الحديقة ليشم عبيرها،
ومنهم من يدخل ليقتلع الزهور،
ومنهم من يدخل ليعدّ الأشجار،
ومنهم من يدخل فقط ليبحث عن ورقةٍ ذابلة، ثم يخرج ليخبر الناس أن الحديقة كلها ماتت.
وهكذا هم بعض المتطفلين.
لا يرون مئات الأشياء الجميلة،
لكن أعينهم تقع دائمًا على النقص.
كذبابٍ لا يرى البستان،
بل يبحث عن موضع الجرح.
وكغربانٍ لا يستهويها خرير الماء،
بل تنتظر سقوط الغصن اليابس.
ولذلك لا تستغرب إن شوّهوا صورتك بعد أن منعتهم من اقتحام عالمك.
فمن اعتاد الدخول بلا استئذان،
يرى الباب المغلق إهانة.
ومن اعتاد معرفة كل شيء،
يعتبر صمتك تمردًا.
ومن اعتاد أن يعيش على أخبار الآخرين،
يرى خصوصيتك حربًا عليه.
إن بعض الناس لا يحتمل أن يراك مكتفيًا بنفسك.
لأن اكتفاءك يحرمهم من متعة التدخل.
وهدوءك يسلبهم لذة التحليل.
وصمتك يمنعهم من صناعة القصص.
ولهذا…
يصنعون عنك رواياتٍ لا تشبهك.
ويُلبسونك أثوابًا لم ترتدها.
ويضعون على لسانك كلماتٍ لم تقلها.
ثم يصدقون أكاذيبهم،
ويطلبون منك أن تدافع عن نفسك أمام اتهاماتٍ هم من اخترعوها.
وكأنهم يرسمون ظلًا على الأرض،
ثم يغضبون لأنك لا تشبه ذلك الظل.
إن الإنسان الشريف لا يحتاج أن يعرف كل شيء عن الناس ليحترمهم.
يكفيه أن يعرف حدوده.
فالاحترام الحقيقي ليس أن تدخل كل البيوت،
بل أن تعرف أي الأبواب لا يحق لك طرقها.
فالقلوب ليست ساحاتٍ عامة،
ولا الأرواح متاحف تُفتح للزائرين في كل وقت.
هناك أسرارٌ خُلقت لتبقى بين الإنسان وربه.
وهناك تفاصيل لا تزيد الآخرين علمًا،
بل تزيدهم تدخلًا.
ولذلك قال الحكماء قديمًا:
“ليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُقال كان في قوله خير.”
إن الخصوصية ليست ستارًا للخداع،
كما يظن البعض.
بل هي ثوب الوقار.
فاللؤلؤة لا تُدفن في أعماق البحر لأنها تخجل،
بل لأنها ثمينة.
والذهب لا يُترك على قارعة الطريق،
لا لأنه يخاف الناس،
بل لأن قيمته تستحق الحفظ.
وكذلك النفوس الكريمة…
تعرف متى تتحدث،
ومتى تصمت.
تعرف أن الكرامة ليست في كثرة الكلام،
بل في حسن الاختيار.
وما أجمل الإنسان الذي يجعل من لسانه ميزانًا،
لا طاحونةً تدور بكل ما تسمع.
ومن المؤسف أن بعض الناس إذا لم يجدوا خبرًا عنك،
اخترعوا خبرًا.
وإذا لم يجدوا عيبًا،
اختلقوا عيبًا.
وإذا لم يجدوا قصة،
كتبوا قصةً من خيالهم،
ثم جلسوا يروونها وكأنهم كانوا شهودًا عليها.
إنهم كمن يقف أمام مرآةٍ مكسورة،
فيرى صورتك مشوهة،
ولا يدرك أن العيب في الزجاج، لا في الوجه.
وما أكثر الذين يقيسون الآخرين بمقاييس أنفسهم.
فمن اعتاد الكذب،
يظن الناس يكذبون.
ومن اعتاد الخيانة،
يشك في الوفاء.
ومن اعتاد التطفل،
يستغرب كيف يعيش غيره دون أن يقتحم حياة الناس.
لأن المرء كثيرًا ما يرى العالم بعدسة قلبه.
فإن كان قلبه صافيًا،
رأى الصفاء.
وإن كان ممتلئًا بالريبة،
رأى الشك في كل شيء.
ولهذا لا تجعل نفسك أسيرًا لأحكامهم.
فليس كل من حمل ميزانًا كان عادلًا.
وليس كل من رفع صوته كان صادقًا.
وليس كل من أكثر الأسئلة كان محبًا.
فالمحب الحقيقي…
يسأل ليطمئن، لا ليفتش.
ويستمع ليحتوي، لا ليحاسب.
ويحفظ ما يسمع، كما تُحفظ الأمانات، لا كما تُتداول الأخبار.
أما المتطفل…
فهو يجمع الأسرار كما يجمع التاجر بضاعته.
لا ليستفيد منها،
بل ليبيعها عند أول مجلس.
ولذلك لا تأسف إذا اتهموك بالغموض.
فالغموض في أعينهم قد يكون وقارًا في الحقيقة.
ولا تحزن إذا وصفوك بالكتمان.
فالكتمان ليس دائمًا نقصًا،
بل قد يكون حكمة.
إن النهر العميق لا يُكثر الضجيج،
بينما الجداول الضحلة تُسمع من بعيد.
وكذلك النفوس…
كلما ازدادت عمقًا،
قلّ صخبها.
وكلما علت قيمتها،
ازدادت محافظةً على نفسها.
فلا تُرهق قلبك بمحاولة إقناع من لا يريد أن يفهم.
ولا تُبدد عمرك في تبرير حقٍّ جعله الله لك، وهو حقك في أن تحتفظ بشيءٍ من نفسك لنفسك.
فليست كل نافذةٍ يجب أن تُفتح،
وليست كل يدٍ تستحق أن تمتد إلى تفاصيل حياتك.
عِش كما تمشي الشجرة الوارفة في فصل الريح؛ ثابتة الجذور، وإن عبثت بها الرياح، لا تمنح كل عابرٍ ثمرتها، ولا تُسقط أوراقها إرضاءً لنظرة أحد.
وتذكّر دائمًا أن من يحترم حدودك، يحترمك.
ومن يغضب لأنك وضعت حدودًا، لم يكن يبحث عن قربك، بل عن منفذٍ إلى حياتك.
فاجعل من خصوصيتك تاجًا لا ينزعه فضول، ومن كرامتك بابًا لا يُفتح إلا لمن يعرف قيمة الاستئذان، فليست كل عينٍ تنظر إليك تتمنى لك الخير، وليست كل أذنٍ تسأل عن أخبارك تحمل لك الود، فبعض الأسئلة مفاتيح، وبعض المفاتيح لا تُصنع لفتح الأبواب، بل لسرقة الطمأنينة. لذا، احفظ حياتك كما يُحفظ الجوهر في صندوقه، فكلما علت قيمة الشيء، ازداد حرص صاحبه عليه، وما خفي احترامًا للنفس، كان أبقى جمالًا، وأبعد عن ألسنةٍ لا تشبعها الحقيقة، لأنها اعتادت أن تتغذى على الظنون🦋
