(أحبك قبل أن آراكِ)
أحبك قبل أن أراكِ..
أحبك قبل أن أراكِ..
وقبل أن تقوليها..
أنا سأقولها..
أحبك قبل أن أراكِ.
تُرى…
هل هذا هو صدق الشعور؟
أم أنني أحببتُ صوتك،
وهدوءك،
وأرى بكِ ما لا ترينه أنتِ في نفسك؟
لا أدري…
ولكنني كلما سمعتُ نبرة حديثك، شعرتُ أن الكلمات وجدت أخيرًا من يستحقها.
وكلما لامس الصمت بيننا أطراف الحديث، أيقنت أن بعض الأرواح لا تحتاج إلى ضجيجٍ كي تتعارف، بل يكفيها أن تتجاور، فيولد بينهما وطنٌ من الطمأنينة.
أحببتكِ…
لا لأنني رأيتُ ملامحكِ، بل لأنني رأيتُ ملامح قلبي وهو يتغير.
رأيته أكثر هدوءًا،
وأكثر اتزانًا،
وأقل خوفًا.
وكأن وجودكِ لم يضف إلى حياتي شيئًا جديدًا، بل أعاد إليّ شيئًا قديمًا كنتُ قد فقدته منذ زمن.
أتعلمين؟
إن بعض الوجوه قد تخدع،
وبعض العيون قد تُمثّل،
وبعض الابتسامات قد تكون أقنعةً من نورٍ يخفي خلفه ظلامًا.
أما الأرواح…
فلا تعرف التمثيل.
إنها تُفشي حقيقتها ولو حاولت أن تخفيها ألف مرة.
ولذلك…
لم أبحث عن لون عينيكِ،
ولا عن تفاصيل وجهكِ،
ولا عن طول قامتكِ.
كنتُ أبحث عن ذلك السكون الذي يجعل القلب يقول:
“ها أنا وجدتُ مكاني.”
ربما لهذا أحببتكِ…
لأنكِ لم تحاولي أن تكوني غير نفسكِ.
ولأنكِ لم تُرهقي الكلمات بالمبالغة،
ولم تُثقلي المشاعر بالادعاء.
كنتِ بسيطة…
لكن البساطة حين تكون صادقة، تصبح أفخم من كل التكلّف.
لقد أحببتُ فيكِ ذلك الاتزان الذي لا يصرخ ليُثبت وجوده،
وذلك الحياء الذي لا يحتاج إلى إعلان،
وذلك الاحترام الذي يسبق الحب، لأن الحب بلا احترام عاطفةٌ عابرة، أما الاحترام فهو الجذر الذي تُثمر منه المودة.
أحببتُ فيكِ أنكِ لا تتسابقين مع أحد،
ولا تتباهين بشيء،
وكأنكِ تؤمنين أن الزهرة لا تُقنع أحدًا بأنها جميلة، بل تكتفي بأن تتفتح.
ويا لعظمة من يتفتح دون ضجيج.
أحيانًا أسأل نفسي:
كيف أحببتُ امرأةً لم أرها؟
ثم أعود فأبتسم.
لأن السؤال الحقيقي ليس: كيف أحببتها؟
بل: كيف استطاعت روحها أن تصل إلى روحي قبل أن تصل صورتها إلى عيني؟
يقولون إن العين تعشق قبل القلب.
وأنا أخالفهم.
فكم من عينٍ أُعجبت ثم نسيت،
وكم من قلبٍ أحب ثم بقي وفيًا حتى آخر العمر.
العين ترى الصورة،
أما القلب فيرى الحقيقة.
والصورة قد تُخدعها الإضاءة،
أما الحقيقة فلا تُزيّنها الفلاتر.
لقد أحببتُ حديثكِ حين كان يحمل احترامًا،
وصمتكِ حين كان يحمل حكمة،
ودعاءكِ حين كان يحمل يقينًا.
وأحببتُ أنكِ لا تُكثرين من الوعود، لأنني تعلمت أن أقلَّ الوعود أصدقها، وأن أكثرها ضجيجًا قد يكون أولها انكسارًا.
كم من الناس يُجيدون الكلام،
وقليلٌ منهم يُجيدون الأثر.
وأنتِ…
كان أثركِ يسبق كلماتكِ.
كنتِ كالمطر…
لا يرفع صوته، لكنه يوقظ الحياة.
وكنتِ كالليل…
هادئة، لكنكِ تحملين في داخلكِ نجومًا لا يراها إلا من أطال النظر.
وكنتِ كالدعاء…
لا يُرى،
لكن أثره يُبدّل الأقدار.
أتعلمين ما أخشاه؟
لا أخاف أن يتغير وجهكِ.
فالوجوه كلها يسرق الزمن منها شيئًا.
ولا أخاف أن يشيب شعركِ.
فالشيب وقارٌ لمن أحببناه.
ولا أخاف أن تتبدل الأيام.
فالأيام خُلقت لتتبدل.
لكنني أخاف…
أن يتغير قلبكِ.
لأن القلب إذا تغيّر، تغيّر العالم كله.
إنني لا أبحث عن امرأةٍ كاملة.
فالكمال لله وحده.
ولا أبحث عن قصةٍ بلا خلاف.
فالاختلاف سنة الحياة.
أنا أبحث عن قلبٍ إذا غضب، لم ينسَ الود.
وإذا حزن، لم يقتل المحبة.
وإذا أخطأ، اعتذر.
وإذا اعتُذر إليه، سامح.
فالعلاقات لا يحفظها الحب وحده.
بل يحفظها الأدب حين يغيب الحب،
والوفاء حين تتعب المشاعر،
والرحمة حين تعجز الكلمات.
ولذلك…
إن قلتُ لكِ إنني أحببتكِ قبل أن أراكِ،
فليس لأنني أعيش وهمًا،
ولا لأنني صنعتُ منكِ صورةً خيالية.
بل لأنني أحببتُ فيكِ ما لم تستطع العيون أن تصفه.
أحببتُ الطمأنينة التي تسير في حديثكِ.
وأحببتُ النقاء الذي يختبئ بين حروفكِ.
وأحببتُ الدعاء الذي يخرج منكِ قبل أن يخرج الكلام.
وهل تعلمين؟
أجمل الناس ليسوا أولئك الذين يُبهرون العيون.
بل أولئك الذين إذا غابوا، افتقد القلب سلامه.
إن الحب الحقيقي لا يبدأ من العين، بل يبدأ من الاحترام.
ثم يكبر بالثقة.
ثم يثمر بالرحمة.
ثم يشيخ بالوفاء.
أما ذلك الحب الذي يبدأ بالشكل وحده، فكثيرًا ما ينتهي حين يعتاد النظر.
لقد كنتِ بالنسبة إليّ سؤالًا لم أجد له جوابًا.
وكنتِ قصيدةً لم تنتهِ قافيتها.
وكنتِ طريقًا كلما مشيتُ فيه، اكتشفتُ أن نهايته ليست وصولًا، بل بداية جديدة.
إن في الأرواح لغةً لا تُترجمها الحروف.
لغةً تقول:
“أشعر بك.”
قبل أن تقول:
“أعرفك.”
وربما لهذا السبب…
شعرتُ أنني أعرفكِ منذ زمن، رغم أن الأيام لم تمنحنا إلا قليلًا من اللقاء، وربما لم تمنحنا لقاءً أصلًا.
وهل كل اللقاءات تُقاس بالمسافات؟
كم من قريبٍ لا نعرفه.
وكم من بعيدٍ يسكن أعماقنا.
لقد أيقنت أن القلوب ليست خرائط جغرافية، وإنما خرائط قدر.
فمن كُتب له مكانٌ فيها، دخلها دون استئذان، وأقام فيها دون ضجيج.
وإن سألتِني يومًا:
ما الذي أحببته فيّ؟
فسأجيبكِ:
أحببتُ ذلك السلام الذي سبق حضوركِ.
وأحببتُ ذلك الحنين الذي جاء قبل رؤيتكِ.
وأحببتُ تلك الطمأنينة التي جعلتني أؤمن أن الأرواح قد تتصافح قبل الأيدي، وأن القلوب قد تتعاهد قبل العيون.
فإن كان هذا هو الحب…
فمرحبًا به.
وإن كان هذا هو صدق الشعور…
فما أجمله من صدق.
أما إن كان مجرد وهم، فهو أجمل وهمٍ جعلني أرى العالم أكثر رحمة، وأقرب إلى النور.
لكنني لا أظنه وهمًا…
لأن الوهم يُشعل القلب لحظةً ثم ينطفئ.
أما الشعور الصادق، فيبقى كالسراج؛ لا يصرخ بنوره، لكنه يهزم العتمة كلما أقبل الليل.
ولذلك سأظل أقولها، دون تردد، ودون خجل، ودون انتظار أن تسبقني بها الكلمات:
أحبكِ…
قبل أن أراكِ،
وقبل أن تمسك يدي يدُكِ،
وقبل أن تجمعنا الطرق،
لأن بعض الأرواح لا تحتاج إلى موعدٍ كي تلتقي، ولا إلى عينٍ كي تُبصر، ولا إلى دليلٍ كي تعرف أنها وُلدت لتأنس بروحٍ تشبهها، فتسكن إليها، وكأنها عادت أخيرًا إلى بيتها الأول🦋
