لا تَختفِ…
لا تَختفِ…
أرجوك.
فمنكَ ما أكتفي،
ومن حضورك ما يرويني،
ومن صوتك ما يُسكِت في داخلي ضجيجًا
لم أكن أعرف كيف أُسكته.
لا تَختفِ…
أنتَ لا تعرف ماذا يعني
أن يعتاد القلبُ صوتًا،
ثم يستيقظ ذات صباح
فلا يجده.
لا تعرف كيف يمكن لرسالةٍ قصيرة منك
أن تُعيد ترتيب يومٍ كامل،
وكيف يمكن لغيابك
أن يُبعثر أشياءً كثيرة
دون أن يلمس شيئًا منها.
أنت لا تعرف…
أن بعض الأشخاص
لا يدخلون حياتنا من الباب،
بل يتسللون إلى الروح
من شقٍّ صغير في جدار الحذر،
ثم نستيقظ ذات يوم
فنجدهم قد صاروا
جزءًا من نبضنا.
وأنت…
كنت ذلك العابر
الذي لم يعبر.
جئتَ وكأنك حديثٌ عابر،
ثم صرتَ حديث القلب.
بدأتَ بكلمة،
ثم صرتَ معنى.
بدأتَ بحضورٍ بسيط،
ثم أصبحتَ تفصيلًا
لا أعرف كيف أعود بدونه
إلى حياتي الأولى.
لذلك…
لا تَختفِ.
ليس لأنني لا أستطيع أن أعيش دونك،
فأنا أعرف كيف أعيش،
وأعرف كيف أُرمم قلبي،
وأعرف كيف أضع الأشياء في أماكنها
حتى لو كان مكانها الأخير
خارج حياتي.
لكنني لا أريد أن أتعلم غيابك
وأنت ما زلت قادرًا على البقاء.
لا أريد أن أدرّب قلبي عليك
ثم أدرّبه عليك من جديد
حين ترحل.
لا أريد أن أصبح خبيرةً في الفقد
وأنت تستطيع أن تكون
سببًا في الطمأنينة.
لا تَختفِ…
فأنا لا أخاف الغياب
بقدر ما أخاف الغياب
الذي لا يسبقه وداع.
أخاف ذلك النوع من الرحيل
الذي لا يغلق الباب،
ولا يفتحه.
ذلك الرحيل المعلّق
بين “ربما يعود”
و”ربما انتهى”.
أخاف أن تتركني
واقفـةً أمام ألف سؤال،
ولا تمنحني إجابةً واحدة.
فأنا أستطيع أن أتقبل الحقيقة
ولو كانت موجعة،
لكنني لا أحتمل الوهم
حين يرتدي ثوب الحقيقة.
قل لي إن تغيرت.
قل لي إن لم تعد تريد القرب.
قل لي إن ضاق بك المكان.
قل لي إن قلبك اختار طريقًا آخر.
سأحزن…
نعم.
وسينكسر في داخلي شيء،
لكنني سأحترم وضوحك.
أما أن تختفي…
فتلك ليست نهاية،
بل بداية ألف حكاية
يكتبها العقل وحده.
وأنت تعرف…
العقل حين يخاف
يصبح شاعرًا سيئًا،
يكتب أسوأ الاحتمالات،
ويُحسن تأليف الحكايات
التي لم تحدث.
لذلك لا تتركني
لخيالي.
تعال إليّ بالحقيقة،
ولو كانت قاسية.
فالحقيقة جرحٌ واحد،
أما الغموض
فنزيفٌ لا يتوقف.
لا تَختفِ…
فأنت لا تعرف كيف تحتوي.
والاحتواء عندي
ليس أن تقول: “لا تحزني”.
بل أن تجلس إلى جوار حزني
دون أن تستعجل رحيله.
ليس أن تقول: “لا تفكري”.
بل أن تجعلني أشعر
أنني لست مضطرةً
للتفكير وحدي.
ليس أن تبحث عن حلٍّ
لكل ما يؤلمني،
بل أن تكون حاضرًا
حين لا يوجد حل.
الاحتواء…
أن تلاحظ ما لم أقله.
أن تسمع ما لم أنطقه.
أن ترى انطفاء عيني
حين أقول لك: أنا بخير.
أن تعرف أن بعض “لا شيء”
تختبئ خلفها أشياء
لو خرجت دفعةً واحدة
لأغرقت الكلام.
الاحتواء
أن تعرف متى تقترب
ومتى تمنحني المسافة.
أن تعرف أن صمتي
ليس دائمًا غضبًا،
وأن هدوئي
ليس دائمًا رضا.
أحيانًا…
أكون هادئة
لأنني لا أعرف كيف أشرح
ما يحدث في داخلي.
وأحيانًا
أصمت
لأن الكلام لو خرج
لن يكون كلامًا…
سيكون قلبًا.
وأنا لا أحب أن أُخرج قلبي
في منتصف الطريق.
لذلك لا تَختفِ.
إذا رأيتني صامتة
فلا تفسر صمتي بالابتعاد.
اقترب.
وإذا رأيتني كثيرة الكلام
فلا تظن أنني أبحث عن إجابة.
ربما كنت أبحث عن أمان.
وإذا سألتك عن شيءٍ صغير
فلا تنظر إلى السؤال وحده.
انظر إلى ما وراءه.
ربما لم يكن السؤال عن الشيء…
ربما كان عنك.
عن مكانتي.
عن اهتمامك.
عن ذلك الخيط الرفيع
الذي يربط قلبي بقلبك
وأخاف أن ينقطع
دون أن أشعر.
لا تَختفِ…
فمنكَ ما أكتفي.
لكن لا تفهمها خطأ.
لا أقولها لأنني امرأة
تتعلق برجلٍ حتى تفقد نفسها.
أنا أعرف نفسي جيدًا.
وأعرف أن الحب
ليس أن أضع قلبي في يدك
ثم أتركك تفعل به ما تشاء.
الحب أن أعطيك قلبي
وأبقي روحي معي.
أن أحبك
ولا أنسى نفسي.
أن أشتاق إليك
ولا أُهين كرامتي.
أن أريد قربك
ولا أركض خلف غيابك.
أن أقول: “لا تَختفِ”
لكنني لا أقول: “لا تتركني ولو لم تعد تريدني.”
فهناك فرق…
بين امرأةٍ تحب،
وامرأةٍ تتعلق.
أنا أحب.
والحب عندي
ليس ضعفًا،
بل وضوح.
ليس انكسارًا،
بل اختيار.
ليس امتلاكًا،
بل اطمئنان.
لذلك إن بقيت…
ابقَ لأنك تريدني.
لا لأنك تشفق عليّ.
ابقَ لأن وجودي
يعني لك شيئًا.
لا لأن غيابي
سيسبب لك فراغًا.
فأنا لا أريد أن أكون
مجرد عادة.
أريد أن أكون اختيارًا.
لا أريد أن تكلمني
لأنك اعتدت صوتي.
أريد أن تكلمني
لأنك ما زلت تريد سماعي.
لا أريد أن تبحث عني
لأن يومك ناقص بدوني.
أريد أن تبحث عني
لأن قلبك امتلأ بي.
فما أجمل أن يعرف الإنسان
أنه ليس ضرورةً في حياة أحد،
بل رغبة.
أن يُقال له:
“أستطيع أن أعيش دونك،
لكنني لا أريد.”
هذه هي المحبة التي أريدها.
لا أريد حبًا يقول:
“لا أستطيع.”
أريد حبًا يقول:
“أستطيع…
لكنني اخترتك.”
وهذا وحده
يكفيني.
لا تَختفِ…
فأنا لا أخشى أن تبتعد خطواتك،
بل أخشى أن تبتعد روحك
وأنت ما زلت أمامي.
أخشى ذلك الفتور
الذي لا يُعلن نفسه.
أن تتغير نبرة صوتك
قبل أن تتغير كلماتك.
أن تصبح رسائلك أقل،
ثم تصبح أبرد،
ثم يصبح السؤال عني
مجاملةً لا شوقًا.
أخاف أن أشعر
أنك ترحل مني
وأنت لم تقل إنك راحل.
فالغياب الجسدي
أهون من الغياب العاطفي.
أن تغيب عن عيني
وأنت حاضر في قلبي
أهون بكثير
من أن تكون أمامي
ولا أشعر بك.
لذلك…
إن أردت البقاء
فلا تكن نصف حاضر.
فالحضور الناقص
أشد قسوةً من الغياب الكامل.
لا تأتِ حين تشتاق فقط،
ثم تختفي حين تطمئن أنني ما زلت هنا.
لا تجعلني محطةً
تعود إليها كلما ضاقت بك الطرق.
أنا لست محطة.
أنا بيت…
والبيت لا يُزار.
البيت يُسكن.
لا تَختفِ…
ففي داخلي مكانٌ لك
لم أفتحه لأحد.
مكانٌ لا يشبه الأماكن.
لكنه ليس مضمونًا إلى الأبد.
فالقلوب، مهما أحبت،
تتعلم.
والمرأة، مهما صبرت،
تفهم.
والروح، مهما تعلقت،
إذا أُرهقت كثيرًا
تبدأ في إنقاذ نفسها.
قد أقول اليوم:
“لا تَختفِ.”
لكنني إن اعتدت اختفاءك
قد أصل إلى يوم
لا أنتظر فيه ظهورك.
وقد يكون ذلك اليوم
أقسى عليك مني.
لأنني حين أتوقف عن الانتظار
لا أكون غاضبة…
أكون قد شُفيت.
والشفاء من شخصٍ أحببناه
ليس نسيانًا له،
بل اكتفاءً من الألم الذي سببه.
لا أريد أن أصل إلى هناك.
لذلك لا تَختفِ.
تعال كما أنت.
بتعبك،
بخوفك،
بترددك،
بصمتك،
حتى بأخطائك.
لكن تعال.
فأنا لا أطلب رجلًا كاملًا.
أطلب قلبًا حاضرًا.
رجلًا إذا أخطأ اعتذر.
إذا غضب هدأ.
إذا اشتاق اقترب.
إذا خاف تكلم.
إذا أحب أعلن.
إذا وعد أوفى.
وإذا لم يستطع الوفاء
لم يَعِد.
هذا كل ما أريده.
لا تَختفِ…
لأنني أحب تلك المسافة بيننا
حين تكون قصيرة.
أحب أن يصلني منك شيء
فأبتسم دون سبب.
أحب أن أجد اسمك
في هاتفي
فأشعر أن العالم
صار أخف قليلًا.
أحب أن تحدثني
عن تفاصيل يومك
التي ربما تراها عادية،
بينما أراها أنا
أشياءً تقرّبني منك.
أحب التفاصيل الصغيرة.
فالحب الكبير
لا يعيش دائمًا في الكلمات الكبيرة.
أحيانًا يسكن
في سؤال بسيط:
“وصلتِ؟”
وفي دعاء:
“الله يحفظك.”
وفي رسالة تأتي
في وقتٍ لم أطلبها فيه:
“كيفك اليوم؟”
وفي شخصٍ يتذكر
شيئًا قلته منذ أسابيع
ثم يسألك عنه.
الحب…
ذاكرة اهتمام.
وذاكرة الاهتمام
أصدق من ألف اعتراف.
لا تَختفِ…
دعني أحبك
بطريقتي الهادئة.
دعني أطمئن عليك
دون أن أُكثر السؤال.
دعني أشتاق
دون أن أُعلن كل شوق.
دعني أقول لك أحيانًا:
“لا شيء.”
وأنت تعرف
أن وراء هذه الكلمة
قصةً كاملة.
دعني أكون امرأة
تملك من الكبرياء ما يحميها،
ومن الحنان ما يحتويك،
ومن الحب ما يجعلك
تشعر أنك لست وحدك.
لكن لا تجعلني أحتاج
أن أختار بين قلبي وكرامتي.
لأنني سأختار كرامتي…
وسأبكي على قلبي بعدها.
لا تَختفِ…
فمنكَ ما أكتفي.
ليس لأنك آخر الرجال،
ولا لأن الحياة تتوقف عندك،
ولا لأنني لا أعرف كيف أبدأ من جديد.
بل لأنك…
أصبحت شيئًا جميلًا
في أيامٍ لم تكن كلها جميلة.
وصرت صوتًا
أحب أن أسمعه.
وحضورًا
أحب أن أشعر به.
وشخصًا
لا أريد أن تتحول حكايتي معه
إلى سؤال بلا جواب.
فإن كنتَ لي…
فكن لي بصدق.
وإن لم تكن…
فلا تُبقني معلقةً
على حافة الاحتمال.
لكن إن كان في قلبك شيءٌ لي…
فلا تَختفِ.
ابقَ.
ليس كثيرًا…
فقط بالقدر الذي يجعل قلبي
يطمئن أن هذا الشعور
لم يكن من طرفٍ واحد.
ابقَ حتى لا أضطر
أن أتعلم كيف أُطفئ
شيئًا ما زال جميلًا.
ابقَ حتى لا يصبح صوتك
ذكرى بعد أن كان طمأنينة.
ابقَ…
لأنني، رغم كل قوتي،
حين أحب…
لا أحب نصف حب.
ولا أشتاق نصف شوق.
ولا أُعطي نصف قلب.
أنا إن أحببتك
أترك لك في روحي
مكانًا لا يسكنه سواك.
فلا تجعلني أندم
أنني فتحت لك الباب.
ولا تجعلني أندم
أنني قلت لك يومًا:
لا تَختفِ…
لأنني لم أقلها خوفًا من فقدك فقط…
قلتُها لأنني،
للمرة الأولى منذ وقتٍ طويل،
وجدتُ شخصًا
كنتُ أتمنى
ألا أضطر إلى فقده🦋
