N.
ROOH MN NFS

1000قــلق

صوره 1000قلق شعور قد يجعلنا نكره شعور الحب (قراءة ممتعة)
                             (1000 قــلق )

القلق الذي يصنعه المُحب… أو من يدّعي المحبّة


القلق الذي يصنعه المُحب…

أو من يدّعي المحبّة…


ذلك الاختفاء الذي يأتي بلا سبب،

وذلك الغموض الذي يُزرع في منتصف الطمأنينة،

وذلك الظهور المفاجئ بعد طول غياب،

ثم الرحيل مرةً أخرى وكأن شيئًا لم يكن…


هو أكثر ما يجعلنا نخشى الدخول في دوّامة الحب.


لأن الحب لم يُخلق ليكون لغزًا يُرهق العقل، بل سكينةً تُريح القلب.


فما قيمة قلبٍ يظل واقفًا على أطراف الانتظار؟

وما جدوى مشاعرٍ تستيقظ كل صباح لتسأل:

هل سيأتي اليوم؟

أم سيختفي كما اعتاد؟

وهل أنا عزيزة عليه حقًا؟

أم مجرد محطةٍ يعود إليها حين يملّ من الطرق الأخرى؟


إن أكثر ما يُتعب الإنسان ليس الغياب نفسه…

بل انتظار تفسير الغياب.


فالعقل يستطيع أن يحتمل الحقيقة مهما كانت قاسية،

لكنه ينهار أمام الاحتمالات.


كل احتمالٍ يولد ألف سؤال،

وكل سؤالٍ يفتح ألف باب،

وكل بابٍ يقود إلى خوفٍ جديد.


وهكذا يصبح القلب سجينًا لما لم يحدث،

وأسيرًا لما لم يُقل،

ومرهقًا بأحاديث لم تقع إلا في داخله.


يظن بعض الناس أن الغموض يزيدهم جاذبية،

وأن الاختفاء يضاعف الشوق،

وأن التأخر في الرد يصنع قيمةً لا تُشترى.


لكنهم لا يعلمون أن ما يزيدونه ليس الحب…

بل القلق.


فالفرق شاسع بين أن تشتاق لشخص،

وأن تقلق منه.


الاشتياق جميل…

أما القلق فمرهق.


الاشتياق يبتسم،

أما القلق فيرتجف.


الاشتياق يجعل القلب ينتظر بطمأنينة،

أما القلق فيجعله يحرس هاتفه كما يحرس الجندي حدود وطنه.


كم رسالةٍ لم تصل،

لكن القلب كتب لها مئات الردود.


وكم اتصالٍ لم يحدث،

لكن الخيال أجرى ألف حوار.


وكم دقيقةٍ مرت،

فظنها القلب سنوات.


ليس لأن الزمن طال…

بل لأن القلق يُطيل كل شيء.


فالساعة مع الاطمئنان تمر كنسمة،

أما الدقيقة مع الخوف فتثقل كجبل.


وما أقسى أن يتحول الهاتف من وسيلة تواصل…

إلى ميزانٍ نقيس به قيمة أنفسنا.


ننظر إليه كل لحظة،

ونفسر آخر ظهور،

ونراقب حالة الاتصال،

ونقرأ بين السطور ما لم يُكتب،

ونبحث في الصمت عن كلمات.


وهنا يبدأ الحب يفقد جماله.


ليس لأن المشاعر ماتت،

بل لأن الطمأنينة غادرت.


فالطمأنينة هي القلب الحقيقي للحب.


أما الحب الذي يحتاج كل يوم إلى إثبات،

وكل ساعة إلى تفسير،

وكل دقيقة إلى تطمين…

فقد أصبح علاقة استنزاف،

لا علاقة احتواء.


ليس مطلوبًا أن يكون الإنسان حاضرًا طوال الوقت.


فنحن بشر…

لدينا أعمال،

ولدينا مسؤوليات،

ولدينا أيام تثقلها الحياة.


لكن الحضور لا يُقاس بعدد الساعات،

بل بصدق الشعور.


قد يغيب الإنسان ساعات،

لكن قلبه يبقى حاضرًا.


وقد يكون موجودًا طوال اليوم،

وقلبه غائب منذ زمن.


ولذلك لا يخيفني الغياب…


إنما يخيفني الغياب الذي يصاحبه برود،

ويتبعه صمت،

ويعقبه تبريرٌ بارد،

وكأن الطرف الآخر لا يدرك أن خلف هذا الانتظار قلبًا كان يرتجف.


المحب الحقيقي لا يجعل من قلقك وسيلةً ليطمئن هو.


ولا يجعل دموعك دليلًا على حبك.


ولا يختبر صبرك كل يوم.


ولا يتركك تتساءل عن مكانتك.


فالمكانة لا تُختبر…


بل تُشعَر.


ومن أحبك بحق،

سيجعل حضورك في حياته واضحًا كما تشرق الشمس.


لن تحتاج أن تبحث عن نفسك في كلماته.


ولن تضطر أن تفسر نبرته.


ولن تقضي الليل تحلل رسالةً من ثلاث كلمات.


لأن الواضح لا يحتاج إلى تأويل.


أما العلاقات المليئة بالغموض،

فهي مصانع للأوهام.


اليوم يقترب…


وغدًا يبتعد.


اليوم يعد…


وغدًا ينسى.


اليوم يطمئن…


وغدًا يختفي.


فتبقى أنت بين الوعد والنسيان،

وبين اللقاء والفراق،

وبين الأمل والخيبة،

كمن يقف على بابٍ لا يُفتح ولا يُغلق.


وهنا يبدأ القلب يفقد ثقته.


ليس بالطرف الآخر فقط…


بل بنفسه أيضًا.


فيقول:

هل أنا السبب؟


هل أخطأت؟


هل ملّ مني؟


هل وجد غيري؟


هل لم أعد كما كنت؟


ثم يبدأ الإنسان يراجع نفسه ألف مرة،

ويعتذر عن أخطاء لم يرتكبها،

ويحاول إصلاح أشياء لم يكسرها.


وهذه أخطر مراحل الحب.


حين يتحول الإنسان من محبوب…

إلى متهم.


ومن شريك…

إلى متسولٍ للاهتمام.


ومن قلبٍ كريم…

إلى روحٍ تنتظر الفتات.


الحب ليس أن أجري خلفك كلما ابتعدت.


وليس أن أبرر لك كل غياب.


وليس أن أعيش على أمل رسالة.


الحب أن أشعر بالأمان وأنا معك…

وأن أشعر بالأمان حتى وأنت بعيد.


لأن الثقة لا تحتاج إلى وجودٍ دائم،

بل إلى وضوحٍ دائم.


ومن أحب،

لا يُربك.


ومن صدق،

لا يُحيّر.


ومن أراد البقاء،

لا يترك خلفه كل هذا الضباب.


إن القلب ليس ساحة تجارب.


وليس لعبة شدٍ وجذب.


وليس حقلًا تُزرع فيه الشكوك كل صباح.


القلب بيت.


وكل بيتٍ يحتاج إلى أساس.


وأساس الحب ليس الشغف…


ولا الكلمات الجميلة…


ولا الوعود الكثيرة…


بل الطمأنينة.


فالطمأنينة هي اللغة التي يفهمها القلب قبل الأذن،

ويشعر بها قبل أن تُقال.


هي أن تنام دون أن تخشى الغد.


وأن تبتسم دون أن تنتظر رسالة.


وأن تثق دون أن تفتش.


وأن تحب دون أن ترتجف.


أما الحب الذي يوقظ القلق كل ليلة،

ويُسكن الحيرة كل صباح،

ويُربي الخوف في كل زاوية من الروح…


فهو وإن حمل اسم الحب،

فقد فقد معناه.


ولعل أجمل أنواع الحب…

هو ذلك الذي لا يجعلك تسأل عن مكانتك.


ولا يجعلك تراقب حضوره وغيابه.


ولا يجعلك تتمنى رسالةً تثبت أنك ما زلت في قلبه.


بل يجعلك تعلم يقينًا أنك حاضر،

حتى في صمته.


وموجود،

حتى في انشغاله.


ومحبوب،

دون أن تطلب دليلًا في كل مرة.


فليس كل من قال: “أحبك” عرف الحب.


وليس كل من بالغ في الكلام، صدق في الشعور.


فالحب لا يُقاس بما يُقال عند اللقاء،

بل بما يبقى عند الغياب.


ولا يُعرف بطول الرسائل،

بل بثبات المواقف.


ولا يُختبر بكثرة الاعتذارات،

بل بقلة الأسباب التي تستدعي الاعتذار.


لهذا…

إن كان الحب سيجعلنا نخاف أكثر مما نطمئن،

وننتظر أكثر مما نعيش،

ونبكي أكثر مما نبتسم،

ونتساءل أكثر مما نثق…


فليس هذا هو الحب الذي يستحق أن نُفني أعمارنا من أجله.


الحب الحقيقي لا يُطفئ الروح، بل يُضيئها.

لا يُثقِل القلب، بل يُخففه.

لا يجعلنا نركض خلف السراب، بل يُمسك بأيدينا نحو اليقين.


فحين يأتيك حبٌّ يسكّن قلبك، تمسّك به.

وحين يأتيك حبٌّ يزرع فيك كل يوم ألف قلق

، فاعلم أن المشكلة ليست في قلبك الذي أحب،

 بل في يدٍ لم تُحسن حمل ذلك القلب، 

ولا عرفت أن أعظم أشكال الحب ليست كثرة الكلام… 

وإنما دوام الأمان🦋🦋

ختم القراءة: روح من نفس — بقلم نورة الثقفي، حيث تمر الحروف بهدوء وتترك في القلب وردة لا تذبل.