( تساؤل !؟؟)
لماذا فضَّلتَ أن أخافَ منك!؟
بدلَ أن تُطمئنني أنَّ ما أخافُه لن يحدثَ منك أبدًا!؟
لِمَ تركتَ الخوفَ يُربِّي ظلالَه في صدري، ولم تُربِّ في قلبي يقينًا واحدًا يُسكتُ كلَّ ذلك الضجيج؟
ولِمَ جعلتني أُحاربُ احتمالاتٍ لا تنتهي، بينما كانت كلمةٌ منك تكفي لأن تُنهي حربًا كاملةً في داخلي؟
كنتُ أظنُّ أنَّ الحبَّ مأوى، فإذا به عندك مأزق.
وأحسبه مرفأ، فإذا به موجٌ لا يعرفُ الرسوَّ ولا السكون.
وأنت… كنتَ تستطيعُ أن تقول: لن أكونَ ذلك الذي تخشينه.
لكنَّك اخترتَ الصمت، والصمتُ حين يأتي في موضعِ الطمأنينة، لا يكونُ حيادًا… بل يكونُ انحيازًا للخوف.
ما أصعبَ أن يُصبح الإنسانُ حارسًا لقلبه، لا لأنَّ العالمَ مخيف، بل لأنَّ أقربَ الناس إليه لم يُطفئ فيه خوفًا واحدًا.
كنتُ أبحثُ عن الأمان، لا عن الأعذار.
وعن الاحتواء، لا عن الالتواء.
وعن الثبات، لا عن الإثبات.
فالحبُّ لا يُقاسُ بكثرةِ الكلام، بل بقلَّةِ المخاوف التي يتركها في قلبِ من يُحب.
لقد كنتُ أخافُ الرحيل، فلم تقل: لن أرحل.
وأخافُ التبدُّل، فلم تقل: لن أتبدَّل.
وأخافُ الفتور، فلم تقل: سأظلُّ كما أحببتِني أولَ مرة.
وأخافُ أن أكونَ مرحلةً، لا وجهةً، فلم تُخبرني أنني وطنُك لا محطَّة، وقرارُك لا خيارُك المؤقت.
فكبرتِ المخاوف، لأنَّ الطمأنينة لم تكبر معها.
أتعلمُ ما يؤلم؟
ليس أنَّ الإنسانَ يخاف…
بل أن يشعر أنَّ الذي يُحبُّه يرى خوفَه، ثم يُشيحُ عنه، وكأنَّ ارتجافَ القلبِ لا يعنيه، وكأنَّ انكسارَ الروحِ لا يُبالي به.
إنَّ بعضَ الناس يُجيدون الاعتذار، ولكنَّهم لا يُجيدون الاحتواء.
ويُتقنون الوعد، ولكنَّهم يعجزون عن صناعةِ الأمان.
ويعرفون كيف يُشعلون الشوق، لكنَّهم يجهلون كيف يُطفئون القلق.
وأنا…
لم أكن أريدُ معجزة.
كنتُ أريدُ يقينًا.
يقينًا واحدًا يُخبرني أنَّ قلبي في يدٍ لا تُسقطه، وأنَّ ضعفي أمامك لن يُستغل، وأنَّ دموعي لن تُصبح يومًا وسيلةً للانتصار عليَّ.
أتعرفُ الفرق؟
هناك من إذا خفتَ منه، قال لك: أحسنتَ الظنَّ بخوفك.
وهناك من إذا خفتَ منه، قال لك بأفعاله قبل أقواله: اطمئن… فلن أكونَ وجعَك.
وأنت…
لم تقل هذه، ولا فعلت تلك.
فبقيتُ معلَّقةً بين الخوفِ والرجاء، بين التمنِّي والتوجُّس، بين الاقترابِ الذي يُناديني، والابتعادِ الذي يحميني.
وكان أصعبُ ما في الأمر، أنني كلما حاولتُ أن أُقنع نفسي بالأمان، جاءت مواقفُك تُقنعني بالعكس.
فكيف ألومُ قلبي إن ارتاب، وأنتَ لم تُزلْ أسبابَ الريبة؟
وكيف أعاتبُ عيني إن سهرت، وأنتَ لم تمنحها ليلةً واحدةً تنامُ فيها مطمئنة؟
لقد اكتشفتُ أنَّ الخوفَ لا يولدُ من الفراغ، وإنما يولدُ من الفراغِ الذي يتركه الآخرُ في مواضعِ الطمأنينة.
فالقلوبُ لا تطلبُ المستحيل.
إنها تطلبُ الصدق إذا وعدت، والثبات إذا اقتربت، والوضوح إذا التبست الطرق، والوفاء إذا اشتدَّت الفتن.
أما أن تُحبَّني، ثم تتركني أُصارعُ وحدي كلَّ احتمالاتِ الخذلان…
فذلك ليس حبًّا يُسكِن القلب، بل حبٌّ يُسكنُ القلق.
كنتُ أحتاجُ أن أشعر أنني حين أختبئُ فيك، لن أحتاجَ أن أختبئَ منك.
وشتَّان بين من يكونُ مأمنًا، ومن يكونُ مصدرَ الحذر.
وبين من يُرمِّمُ الكسور، ومن يُكثِّرُ الشروخ.
وبين من إذا حضرَ حضرَ معه الأمان، ومن إذا حضرَ حضرت معه الأسئلة.
فالحبُّ الحقيقيُّ لا يُربِّي في القلبِ حارسًا، بل يُربِّي فيه سكينةً.
ولا يُعلِّمهُ كيف ينجو، بل كيف يهدأ.
ولا يجعلهُ يحسبُ كلَّ كلمةٍ، ولا يُفسِّرُ كلَّ صمتٍ، ولا يخشى من كلِّ غياب.
الحبُّ الذي يستحقُّ هذا الاسم، لا يُرهقُ الروحَ بالظنون، بل يُريحها باليقين.
ولا يُثقِلُ القلبَ بالتأويل، بل يُخفِّفهُ بالبيان.
ولا يجعلُ صاحبهُ يسألُ كلَّ يوم: “هل ما زلتُ مهمًّا؟” لأنَّه يشعرُهُ كلَّ يومٍ أنَّه الأهم.
ولذلك…
لم يكن سؤالي يومًا: لماذا أخاف؟
بل كان سؤالي: لماذا تركتني أخاف، وأنتَ كنتَ قادرًا أن تُطفئ هذا الخوف بكلمة، وتُميت هذا القلق بموقف، وتزرع في قلبي طمأنينةً لا تقتلعها الأيام؟
فالخوفُ حين يأتي من الغريب، يُؤلم.
أما حين يأتي من الحبيب… فيُهدم.
وليس أشدَّ على القلب من أن يكتشف أنَّه كان يبحثُ عن السَّند، فإذا به يخشى السند، ويهربُ ممَّن كان ينبغي أن يلوذَ به.
لهذا فضَّلتُ أن أبتعد قبل أن أعتادَ الخوف، وأن أحفظَ ما بقي من قلبي قبل أن يُصبحَ الوجعُ فيه عادة، والانتظارُ عبادة، والقلقُ إقامةً دائمة.
فأنا لا أطلبُ حبًّا كاملًا، فالكمالُ لله، ولا أطلبُ إنسانًا لا يخطئ، فالخطأُ من طبع البشر، ولكنني أطلبُ قلبًا إذا رأى خوفي، سابقه إلى تطميني، وإذا لمحَ ارتجافي، احتواني، وإذا شعرَ بثقلِ صمتي، أنصتَ لما لم أقله، قبل أن يسمعَ ما نطقتُ به.
لأنَّ الحبَّ لا يُقاسُ بمن قال: أُحبُّك…
بل بمن جعل هذه الكلمة وطنًا يُسكن، لا وعدًا يُنسى، وأمانًا يُعاش، لا أمنيةً تُروى🦋
