N.
ROOH MN NFS

خيّار مُؤجل!

صوره عُدتُ إلى نفسي لأنني لسُت خيار مؤجل (قراءة ممتعة)

                                          (خيار مؤجل)

خيار مُؤَجَّل


عُدتُ إلى نفسي، حين علمتُ أنني لستُ خيارًا مؤجلًا لدى أحد.


أنا كلُّ الخيارات، وجميعُ الأجوبة، وإن لم تراني، فأنا لن أراك.


لأن الكرامة لا تعرف الانتظار، والعزّة لا تُؤجَّل

، والنفس التي عرفت قدرها، لا تقف على أبواب القلوب تستأذن الدخول

، ولا تمدُّ يدها لتستجدي مكانًا كان ينبغي أن يُمنح لها منذ البداية.


ما عدتُ أبحث عمّن يتذكّرني إذا فرغ

، أو يشتاق إليّ إذا ملّ، 

أو يعود إليّ إذا ضاقت به الطرق. 

فمن جعلني محطةً للعَود، جعلتُه صفحةً من الماضي، 

ومن رآني احتمالًا، رأيتُه استحالة.


أنا لستُ نصف حضورٍ يُكمل غيابًا، 

ولا بقايا اهتمامٍ تُرمِّم إهمالًا،

 ولا ظلَّ علاقةٍ تُسمّى علاقة. 

أنا الحضور إذا حضر، والوضوح إذا ظهر، 

واليقين إذا استقر. فإن لم أكن الأول في التقدير، 

فلن أقبل أن أكون الأخير في التبرير.


لا أُزاحم أحدًا على قلبٍ لا يعرفني، 

ولا أُنافس أحدًا على مكانٍ يحتاج إلى إثبات. 

فما كان لي، جاءني مُكرمًا، وما لم يكن لي، مضى غير مأسوفٍ عليه. 

فليس كلُّ راحلٍ خسارة، ولا كلُّ باقٍ نجاة، وليس كلُّ قريبٍ قريبًا، ولا كلُّ بعيدٍ بعيدًا.


علّمتني الأيام أن الانتظار الطويل يُطفئ وهج المشاعر،

 وأن الأعذار إذا كثرت، صغرت، وإذا تكررت، سقطت.

 فالعذر مرةٌ رحمة، ومرتين احتمال،

 وبعدها يصبح عادةً لا اعتذارًا، وإهمالًا لا انشغالًا.


أنا لا أعاتب على ما يتكرر، لأن التكرار قرار، ولا ألوم على ما يتعمّد، 

لأن التعمد اختيار. 

ومن اختار الغياب، فقد اختار نتائجه، ومن استسهل الفقد، فلا يلوم وجع الفقد إذا عاد إليه.


لقد أدركت أن بعض الناس لا يعرفون قيمة الشيء إلا بعد رحيله، 

لكنني لستُ درسًا يُعاد، ولا كتابًا يُستعار، ولا زمنًا يعود إلى الوراء.

 إذا أغلقتُ الباب، فلأن الريح لم تترك فيه مفصلًا صالحًا للفتح، وإذا انطفأتُ، فلأن أحدهم بالغ في اختبار صبري حتى احترق الزيت، وخمد السراج.


أنا لا أُجيد الوقوف في طوابير الاهتمام،

 ولا أرتدي ثوب المنافسة على مكانتي.

 فمن أرادني، عرف الطريق إليّ دون دليل، ومن أحبني، لم يحتج إلى تذكير، ومن صدقني، لم يطلب برهانًا في كل مرة، لأن الصدق لا يصرخ، والإخلاص لا يتباهى، والوفاء لا يُعلن عن نفسه.


كم هو غريبٌ أن يظن بعضهم أن القلوب تُحفظ بالتأجيل، وأن المشاعر تُخزَّن حتى يحين الوقت المناسب! 

وما علموا أن القلب إذا برد، استعصى دفؤه، وإذا تعب، استعصى شفاؤه، وإذا أُهين، استعصى رجوعه.


كنتُ أظن أن الصمت ضعف، 

حتى علمت أنه أحيانًا أبلغ من الكلام،

 وأن الانسحاب ليس هزيمة، بل نجاة، 

وأن البعد ليس جفاءً، بل دواء،

 وأن النهاية ليست خسارة، بل بداية لا يراها إلا من أحسن النظر.


اليوم، لا ألتفت وراء ما تركته، لأنني وجدت أمامي نفسي، 

ومن وجد نفسه، لم يُضلّه أحد.

 صرتُ أُصادق راحتي قبل الناس، وأحفظ قلبي قبل الوعود

، وأختار الطمأنينة على الضجيج، والوضوح على الغموض،

 والصدق على التمثيل.


فإن جئتني، فتعال بقلبٍ لا يؤجل، وباهتمامٍ لا يتبدل، وبوفاءٍ لا يتزعزع، وبحضورٍ لا يعرف الانقطاع. 

وإن لم تستطع، فامضِ بسلام؛ فلا خصومة بيني وبين من اختار طريقًا غير طريقي، ولكن ليست كل الطرق تؤدي إليّ.


لقد انتهى الزمن الذي كنتُ أبرر فيه غياب الآخرين،

 وألوم نفسي على تقصيرٍ لم أرتكبه. 

واليوم، أومن أن من أراد الوصول، وصل، ومن أراد البقاء

، بقي، ومن أحب بحق، لم يجعل الحب موسمًا، ولا الوصل موعدًا مؤجلًا.


أنا لستُ خيارًا ثانيًا، ولا احتمالًا أخيرًا

، ولا اسمًا يُستدعى عند الحاجة، ثم يُنسى عند الرخاء.

 أنا قيمةٌ لا تُقاس بالمقارنة، ومقامٌ لا يُنال بالمجاملة،

 ومكانةٌ لا يهبها الناس، بل تصنعها النفس حين تعرف قدرها.


فإن رأيتني، فلتَرَني كاملًا لا مُجزّأ، حاضرًا لا مُعلّقًا، مُكرّمًا لا مُهمَلًا.

 وإن لم ترني، فلن أطرق بابًا أُغلِق في وجهي، ولن أستعطف عينًا أعرضت عني، ولن أنتظر قلبًا جعلني خيارًا مؤجلًا.


فقد عدتُ إلى نفسي ...

 وكانت هي الوصول بعد طول الرحيل،

 وكانت هي الوطن بعد غربة الشعور، 

وكانت هي الحقيقة التي لا تكذب، 

والرفيق الذي لا يخون، والاختيار الذي لا يخذل🦋

ختم القراءة: روح من نفس — بقلم نورة الثقفي، حيث تمر الحروف بهدوء وتترك في القلب وردة لا تذبل.