N.
ROOH MN NFS

بالحروف لا بالسيوف

صوره بالحروف نصل وقد لا نصل كلمات قد تؤثر وقد لا تؤثر(قراءة ممتعه)
                                  ( بالحروف لا بالسيوف)

بالحروفِ لا بالسيوف


حربٌ باردة…


بين عقلي وقلبي،

ليست بالسيوف،

ولكنها بالحروف.


الحروف التي تُخفي معانيَ

غيرَ ما تنطقه الألسن.


نعم…

حربُ الحروف،

وتبادلُ الكلمات،

ورنَّةُ القلوب

التي تُخفيها الحروف،

والهمسات

التي ترغبُ باللَّمسات.


ما أعجبَ الحروف!

فقد تكونُ ألفًا من طمأنينة، وهي في الحقيقة ألفُ ارتياب.

وقد تكونُ باءً من بشارة، وهي تحمل بين نقطتها بئرًا من الخوف.

وقد تكونُ تاءَ تمنٍّ، بينما تُخفي تحتها توابيتَ الانتظار.


إنها الحربُ التي لا يُراق فيها دمٌ، ولكن تُراق فيها الأرواح.

ولا تُكسَر فيها السيوف، ولكن تُكسَر فيها الخواطر.

ولا يُسمَع فيها صهيلُ الخيل، بل صهيلُ الأشواق حين تُرهقها المسافات، ويُثقلها الصمت، وتُقيدها الكبرياء.


أيُّها القلب…

كم مرةً قلتَ كلمةً تقصد بها ألفَ كلمة؟

وكم مرةً كتبتَ: “لا بأس”، بينما كلُّ ما فيك كان يقول: “أنقذني”؟

وكم مرةً ابتسمتَ بحرف، بينما كانت الدموعُ تتهجّى اسمَها في داخلك حرفًا حرفًا؟


ما أقسى اللغة حين تصبح ستارًا!

وما أوجع البلاغة حين تتحول إلى حجاب.

فالناسُ لا يكذبون دائمًا بألسنتهم،

بل كثيرًا ما يصدقون بالكذب، ويكذبون بالصدق.

يقول أحدهم: “أنا بخير”، فتسمعها الأذن خبرًا، بينما يقرأها القلب استغاثة.

ويقول آخر: “لا يهم”، بينما يهدمه ذلك الأمر حجرًا حجرًا.

وهنا تبدأ الحرب…

لا بين شخصين،

بل بين المعنى والمبنى،

بين الظاهر والباطن،

بين ما قيل وما أُريد.


إنها معركةُ التورية؛

حيثُ اللفظُ قريبٌ، والقصدُ بعيد.

وحيثُ الابتسامةُ رسالةُ وداع،

والسكوتُ خطابُ عتاب،

والدعاءُ اعترافُ حب،

واللامبالاةُ أشدُّ أنواع الاهتمام.


ما أكثرَ الذين يكتبون نقطةً،

ويقصدون بها نهايةَ عمرٍ كامل.

وما أكثرَ الذين يرسلون فاصلةً،

لأنهم ما زالوا عاجزين عن إنهاءِ الحكاية.


ولأن الحروف تعرف أصحابها،

فإنها تتمرد أحيانًا.

ترفض أن تكتب ما يُمليه العقل،

فتهرب إلى ما يُخفيه القلب.

فتخرج الكلمةُ مرتعشة،

كأنها طفلٌ ضلَّ طريقه بين شوارع الكبرياء.

وتخرج العبارةُ ناقصة،

ليس لأن اللغة فقيرة،

بل لأن الشعورَ أكبرُ من القواميس.


أيُّها العقل…

كم مرةً نصحتَ بالصبر،

بينما كان القلبُ يُسرع نحو الهلاك؟

وكم مرةً قلتَ: “ابتعد”،

فأجابك القلب: “ولكنها الحياة”؟

فقلتَ: “انسَ”،

فقال: “وكيف ينسى الماءُ النهر؟ وكيف تنسى السماءُ المطر؟”


وهكذا تستعر الحرب…

لا غالبَ فيها ولا مغلوب،

لأن المنتصرَ فيها خاسر،

والخاسرَ فيها منتصر.

فالعقلُ إذا ربح، خسر دفءَ الحياة.

والقلبُ إذا ربح، خسر هدوءَ النجاة.

وكلاهما يقفان على حدود الإنسان،

يتجاذبان روحه كما تتجاذب الرياحُ غصنًا وحيدًا في ليلةٍ عاصفة.


الحروف…

ليست حبرًا فقط،

بل نبضٌ يتنكر في هيئة كلمات.

وقد تكون رسالةً قصيرة،

لكنها تحمل أعوامًا من الانتظار.

وقد تكون سؤالًا عابرًا،

وفي باطنه ألفُ اعتراف.

وقد يكون الردُّ كلمةً واحدة:

“حسنًا.”

لكنها تعني:

لقد تعبت…

لقد انكسرت…

لقد سامحت…

ولم أعد كما كنت.


يا لعجائب الحروف!


فحرفُ الواو قد يجمع قلبين،

وقد يفصل بين عمرين.

وحرفُ الفاء قد يكون فاصلةً بين الرجاء واليأس.

وحرفُ اللام قد يُولد منه اللقاء،

أو تُبنى عليه كلمة “لو”…

وتلك “لو” التي ما فتئت تُطارد البشر منذ فجر الحكايات.

لو قلت…

لو بقيت…

لو فهمت…

لو اقتربت…

ولو…

كلمةٌ من حرفين،

لكنها تحمل جبالًا من الندم.


وهناك جناسٌ لا يسمعه إلا الموجوع.

بين “الحضور” و”الفتور”.

بين “القرب” و”الكرب”.

بين “الوصال” و”الزوال”.

وبين “الوعد” و”الوعيد”.

حروفٌ تتشابه،

لكن المعاني بينها كما بين السماء والأرض.


وفي المقابلة تتجلى الحقيقة أكثر.

نقترب فنبتعد،

ونسكت فنصرخ،

ونضحك فنبكي،

وننسى فنتذكر،

ونغيب لنظل حاضرِين،

ونمضي بينما تبقى الخطواتُ واقفةً في الذاكرة.


أما السجع…

فهو موسيقى القلب حين يعجز عن الغناء.

فنقول:

أحببتُ فسَهرت،

وصبرتُ فانكسرت،

وسكتُّ فاحترقت،

وابتسمتُ فتعثرت،

وودَّعتُ فانتظرت.


ونقول:

ما بين الرسالة والرسول،

وما بين الوصول والأفول،

وما بين السؤال والذهول،

تولدُ حكاياتٌ لا يرويها إلا الصمت.


إن أعظم الحروب ليست التي يُرفع فيها السلاح،

بل التي يُخفض فيها الصوت.

حين يجلس اثنان،

ويقول كلٌّ منهما ما لا يقصده،

ويخفي كلٌّ منهما ما يقصده.

فتصبح الكلماتُ جدرانًا،

وتصبح النظراتُ نوافذ،

وتصبح الأنفاسُ رسائل،

ويصبح الصمتُ اللغةَ الوحيدة التي يفهمها الاثنان.


ولعلَّ أخطر الحروف…

هي تلك التي لم تُكتب أصلًا.

فالرسائل التي مُزِّقت قبل إرسالها،

والاعترافات التي ماتت على أطراف اللسان،

والاعتذارات التي خنقتها الكرامة،

والأشواق التي ارتدت ثوب الكبرياء،

كلُّها حروفٌ لم تولد،

ومع ذلك تركت في القلب قبورًا لا تُحصى.


إن للحروف أرواحًا،

وللأرواح حروفًا.

فإذا صدقت الأرواح،

استغنت الحروف.

وإذا كذبت الأرواح،

خانت الحروف.


ولذلك لا تخدعني فصاحةُ المتكلم،

بل يده حين ترتجف.

ولا يغرني جمالُ العبارة،

بل ذلك الصمتُ الذي يسبقها.

ولا أؤمن بكل ما يُقال،

بل بما تعجز الكلمات عن قوله.


فالحبُّ الحقيقي لا يختبئ في القصائد وحدها،

بل في فاصلةٍ تأخرت،

وفي رسالةٍ مُحيَت ثم كُتبت،

وفي دعاءٍ لم يُذكر فيه الاسم، لكنه كان المقصود،

وفي سؤالٍ يبدو عابرًا:

“كيف حالك؟”

بينما معناه:

“هل ما زلتَ بخيرٍ من بعدي؟”


وهكذا تستمر الحرب…

لا بالسيوف،

فالسيوفُ تجرح الأجساد ثم تلتئم.

أما الحروف،

فإنها إن أصابت القلب،

بقي أثرُها ما بقي القلب ينبض.


هي حربٌ لا يسمعُ صليلَها أحد،

لكن الجميع يشعر بندوبها.

ولا يرى دخانها أحد،

لكنها تُعتم أعين العاشقين.

ولا تُكتب في كتب التاريخ،

لكنها تُكتب في ذاكرة العمر،

سطرًا بعد سطر،

وحرفًا بعد حرف،

حتى يصبح الإنسان كتابًا مفتوحًا،

قرأه الجميع…

ولم يفهمه أحد🦋

ختم القراءة: روح من نفس — بقلم نورة الثقفي، حيث تمر الحروف بهدوء وتترك في القلب وردة لا تذبل.