N.
ROOH MN NFS

الإحتـــواء

 

صورة الإحتواء وصف دقيق لهذا المعنى الذي ساء فهمه(قراءة ممتعة)

                               (الإحتــواء)
الإحتواء

الإحتواء…

كلمةٌ صغيرةٌ في حروفها،
واسعةٌ في معناها،
لكنها، في كثيرٍ من الأحيان، ليست كما تُقال، ولا كما تُوصف، ولا كما تُوعَد.

فالإحتواء ليس كلمةً تُكتب في رسالةٍ عند المساء، ثم تُنسى مع أول شروق.
وليس وعدًا يُقال تحت تأثير الشوق، ثم يتبخر حين يحضر الواقع.
وليس ذراعًا تُفتح عند اللقاء، ثم تُغلق عند أول خلاف.

الإحتواء…
ليس صوتًا مرتفعًا يعلن الحب،
بل سكونٌ مطمئنٌ يُسكت الخوف.

وليس كثرة الكلام،
بل جودة الحضور.

وليس أن تجد من يسمعك،
بل أن تجد من يسمع ما لم تستطع قوله.

كم من شخصٍ قال:
“أنا معك.”
ثم كان أول الراحلين عندما أثقلتك الحياة.
وكم من شخصٍ وعد:
“لن أتركك.”
ثم تركك في منتصف الطريق، كمسافرٍ أشعل مصباحًا ثم كسره بيده، وتركك تتلمس العتمة وحدك.

الإحتواء الحقيقي…
أن يرى الإنسان انكسارك قبل أن تعترف به.
أن يقرأ ارتجافة صوتك كما يقرأ الآخرين كلماتك.
أن يفهم صمتك كما يفهم حديثك.
وأن يربت على قلبك قبل أن تمتد يده إلى كتفك.

فليس كل من اقترب احتوى،
وليس كل من أحبَّ طمأن،
وليس كل من بقي كان سندًا.

فقد يبقى البعض جسدًا،
ويرحل روحًا.

ويجلس إلى جوارك،
بينما قلبه على بُعد آلاف المسافات.

الإحتواء…
أن تكون مطمئنًا وأنت خائف.
وقويًا لأن أحدهم آمن بك حين شككت بنفسك.
ودافئًا رغم برد الأيام، لأن هناك قلبًا آثر أن يكون معطفك لا متفرجًا على ارتجافك.

الإحتواء لا يقاس بعدد الرسائل،
ولا بطول المكالمات،
ولا بكثرة العبارات المزخرفة.

بل يُقاس بما يبقى في القلب بعد انتهاء الحديث.

فقد تنتهي الكلمات…
ويبقى أثرها.
وقد ينتهي اللقاء…
ويبقى دفؤه.
وقد يغيب الإنسان…
ويبقى احتواؤه يسكن الروح كالعطر في الثياب، لا يُرى، لكنه لا يزول.

وأقسى ما في الأمر…
أن يتقن البعض تمثيل الإحتواء.

يمنحونك شعور الأمان،
حتى إذا وضعت قلبك بين أيديهم،
تركوه يسقط.

كأنهم كانوا يبنون لك بيتًا من ضباب،
كلما اقتربت منه، اكتشفت أنه لم يكن سوى وهمٍ جميل.

هناك فرقٌ شاسع…
بين من يحتضن يدك،
ومن يحتضن خوفك.

بين من يمسح دموعك،
ومن يمنعها قبل أن تنزل.

بين من يسألك:
“ماذا بك؟”
ومن يعرف ما بك قبل أن يسأل.

الإحتواء ليس علاجًا بعد الألم،
بل وقايةٌ قبل أن يشتد الوجع.

ولذلك…
قد يكون الاحتواء أغلى من الحب نفسه.

فالحب قد يولد بالإعجاب،
وقد يكبر بالشوق،
أما الاحتواء فلا يولد إلا من الرحمة.

ومن لا يرحم ضعفك،
لن يحتمل قوتك.

ومن يضق بصمتك،
لن يتسع لحقيقتك.

الإحتواء…
أن تُخطئ فلا تُهان.
أن تتعب فلا تُلام.
أن تخاف فلا يُستهزأ بك.
أن تبكي فلا يُطلب منك أن تخجل من دموعك.

أن تجد قلبًا يقول لك:
“أنا هنا…”
لا ليحل كل مشاكلك،
بل ليمنعك من الشعور أنك تواجهها وحدك.

فما أقسى الوحدة…
حين تكون بين الناس.
وما أدفأ الأنس…
حين يسكن قلبٌ واحدٌ إلى قلبك.

الإحتواء يشبه شجرةً عظيمة،
لا تمنع حرارة الشمس،
لكنها تمنحك ظلًا حتى تعبرها.

ويشبه البحر…
لا يوقف العاصفة،
لكنه يحمل السفن حتى تصل.

ويشبه المطر…
لا يغيّر شكل الأرض في لحظة،
لكنه يحيي ما ظنه الجميع قد مات.

ولذلك…
لا تبحث عن شخصٍ يجيد الكلام،
فالكلمات قد تحفظها الذاكرة، ويكذبها الموقف.

ابحث عمّن إذا اضطرب قلبك،
كان هو السكينة.

وإذا انكسرت،
كان هو الجابر.

وإذا سقطت،
لم يقف يعدُّ أخطاءك،
بل مدّ يده قبل أن يعدَّ عثراتك.

فالإحتواء لا يُقاس بما يُقال،
بل بما يُفعل.

ولا يُعرف عند الرخاء،
بل يُولد في الشدة.

ولا يُختبر في الضحكات،
بل في الدموع.

ولا تُثبت صدقه الوعود،
بل تثبته المواقف.

وفي النهاية…

ليس كل من قال: “أنا أحبك” قد احتواك،
ولكن…
كل من احتواك بصدق،
فقد أحبك بطريقةٍ أعظم من أن تصفها الكلمات.

لأن الإحتواء ليس رفاهيةً في العلاقات،
بل هو الوطن الذي يعود إليه القلب كلما أتعبته المنافي، 
وهو اليد التي لا تترك يدك حين ترتجف،
 وهو الصمت الذي يقول: “أنا معك” دون أن ينطق بحرف، 
وهو الحقيقة الوحيدة التي لا تحتاج إلى قسم،
 لأن الأفعال فيها أبلغ من الأقوال،
 والمواقف فيها أصدق من الوعود،
 والقلوب فيها تتحدث بلغةٍ لا تعرف الكذب🦋🦋
ختم القراءة: روح من نفس — بقلم نورة الثقفي، حيث تمر الحروف بهدوء وتترك في القلب وردة لا تذبل.