( مُعْجَب)
مُعجَب
ولكنني أخاف أن أقترب،
أو أبوح.
أخاف أن أقول لها إنَّ قلبي مالَ إليها.
وأخاف أن أتعلَّق بها إلى الحدِّ الذي لا أستطيعُ معه التخلِّي عنها.
أخاف أن أعتاد وجودها،
ثم أستيقظ ذات يومٍ فلا أجدها
، فأُدرك أن الغياب لا يقتلُ مرةً واحدة،
بل يقتلُ كلَّ يوم.
وأخاف أن تُصبح صوتي حين أصمت،
وطمأنينتي حين أقلق،
ودعائي حين أرفع كفَّي،
ثم تُصبح بعد ذلك كلِّه ذكرى لا تُصافح إلا الوجع.
أخاف أن أفتح لها أبواب قلبي،
وهي لا تنوي إلا المرور،
فأُقيم لها وطنًا،
بينما تُقيم لي محطةً عابرة.
وأخاف أن أكون عندها احتمالًا،
بينما تكون عندي يقينًا؛
وأن أعدَّها بداية العمر،
بينما تعدُّني فصلًا من فصوله.
أخاف من البدايات؛
لأنني أعرف أن بعض البدايات تُزهر
، وبعضها يُزهر ليُعلِّمنا كيف نموت واقفين.
أخاف أن أُصدق ابتسامتها
، فأبني عليها ألف معنى،
وهي لم تُرد بها إلا أدب الحديث، ولطف اللقاء.
وأخاف أن أُفسِّر صمتها شوقًا
، وهو ليس إلا صمتًا
؛ وأن أقرأ في عينيها وعدًا، ولم يكن فيهما سوى انعكاس الضوء.
أخاف من ظنٍّ يُشبه اليقين،
ومن يقينٍ يتبدَّد عند أول اختبار.
أخاف أن تُصبح عادتي،
ثم يُصبح الفراق إقلاعي عنها،
وما أصعب الإقلاع عن الأشياء التي سكنت القلب قبل أن تسكن الحياة.
أخاف أن أُحبها كما لم أُحب أحدًا،
ثم أكتشف أن الحب وحده لا يكفي،
وأن المشاعر إذا لم تجد وفاءً ذبلت،
وإذا لم تجد أمانًا ذابت،
وإذا لم تجد صدقًا ماتت واقفة.
أخاف أن أُهديها كلَّ ما فيَّ، فلا يبقى لي مني شيء.
وأخاف أن أُعطيها مفاتيح قلبي،
ثم أقف خارج أبوابه أستأذن الدخول.
أخاف أن أُصبح ضعيفًا أمامها،
وأنا الذي تعلَّمت أن أخفي انكساري بابتسامة، وأُواري حزني بكبرياء.
فما أصعب أن يكون الإنسان قويًّا أمام العالم، هشًّا أمام شخصٍ واحد.
وأخاف أن أشتاق إليها وهي قريبة،
لأن بعض القرب أبعد من المسافات، وبعض البعد أقرب من الأنفاس.
وأخاف أن أراها في كل شيء
؛ في المطر إذا هطل،
وفي الليل إذا سكن،
وفي الصباح إذا تنفَّس،
حتى لا يبقى في الدنيا مشهدٌ إلا وله منها نصيب.
وأخاف أن أُقارن بها الجميع،
فلا يُشبهها أحد، ولا يُرضيني بعد ذلك أحد.
وأخاف أن تُصبح الدعوة التي أُسرُّ بها،
والدمعة التي أُخفيها، والقصيدة التي لا أكتبها إلا بها.
وأخاف أن يطول انتظاري، فيذبل العمر قبل أن يثمر اللقاء.
وأخاف أن أُخبرها بما في صدري،
فتبتسم مجاملةً، بينما ينكسر في داخلي شيءٌ لا يُجبره الزمن.
وأخاف إن سكتُّ أن أندم
، وإن تحدَّثت أن أندم،
فكأنَّ الندم ينتظرني في طرفي الطريق.
وأخاف من حبٍّ يبدأ همسًا
، ثم يُصبح صخبًا،
ويبدأ قطرةً،
ثم يُصبح بحرًا،
ويبدأ نظرةً، ثم يُصبح عُمرًا.
ولستُ أخاف الحبَّ نفسه،
بل أخاف فقده.
ولا أخاف القرب،
بل أخاف أن يعقبه بُعدٌ لا رجعة فيه.
ولا أخاف الاعتراف،
بل أخاف أن يكون جوابه صمتًا يُطيل الضجيج في داخلي.
ولا أخاف الدموع،
بل أخاف أن أذرفها على من لم يشعر بها يومًا.
لقد تعلَّمت أن الجراح التي يُحدثها الغريب تُشفى،
أمَّا الجراح التي يصنعها الحبيب فتسكن
، لا لأنها أعظم، بل لأنها خرجت من اليد التي تمنَّيت أن تكون بلسمًا لا ألمًا.
لذلك أقف بين خطوةٍ أتمناها، وخطوةٍ أخشاها؛
بين قلبٍ يقول: اقترب، وعقلٍ يقول: تمهَّل؛
بين رجاءٍ يُناديني، وحذرٍ يُمسكني.
فإن اقتربتُ، ربما ربحتُ قلبًا.
وإن اقتربتُ، ربما خسرتُ قلبي.
ويا لغرابة الحب…
يجعل الإنسان يخشى الفوز، كما يخشى الخسارة
؛ ويُعلِّمه أن أقسى الحروب ليست تلك التي تُخاض بالسيوف
، بل تلك التي تدور في الصدور،
بين عقلٍ يُحذِّر، وقلبٍ يُغامر،
وبين خوفٍ ينهى، وشوقٍ يأمر.
ولهذا…
سأبقى مُعجبًا بها، حتى يأذن الله لقلبي بيقينٍ يسبق الخطوة
، وأمانٍ يسبق الاعتراف، وصدقٍ يسبق التعلُّق؛
فإن جاء ذلك، مضيتُ إليها بقلبٍ لا يخاف،
وإن لم يجئ، بقيتُ أدعو لها من بعيد،
فبعض المشاعر النبيلة لا يُفسدها البُعد، بل يحفظها🦋
