(كَيفَ أحَكــي!؟)
كيف أحكي..
ولا أُزيل الهم..
إن لم يكن مهمومًا معك..
فهو لا يشعر.
بل لا يُحب.
فالحب ليس لسانًا يُجيد الحديث،
بل قلبًا يُجيد الإحساس، وليس وعدًا يُزيَّن بالألفاظ،
بل عهدًا تُصدِّقه المواقف. فما قيمة من يسمع أنينك ولا يئن،
ويرى انكسارك ولا ينكسر، ويشهد سقوط دمعتك وكأنها قطرة مطرٍ على زجاج نافذة، لا رجفةُ روحٍ توشك أن تنطفئ؟
إن القلوب إذا صدقت، استغنت عن السؤال،
وإذا صفَت، استغنت عن البيان.
يكفيها ارتعاشة الصوت لتفهم،
ويكفيها طول الصمت لتعلم،
ويكفيها تغيّر النظرة لتوقن أن في الصدر حربًا لا تُرى،
وأن خلف الابتسامة ألف حسرة،
وخلف السكون ألف صرخة،
وخلف الثبات قلبًا يتهاوى في صمتٍ لا يسمعه إلا من أحب.
فليس المحب من يقول: أنا معك، ثم يتركك وحدك عند أول وجع،
وليس الوفي من يحفظ ملامحك وينسى ملامح حزنك،
وليس الصادق من يشاركك أفراحك، ثم يعتذر عن أحزانك.
إنما المحب من إذا أثقلك الهم، حمله قبل أن تطلب، وإذا أوجعك الزمن، خاصم الزمن لأجلك،
وإذا ضاقت بك الدنيا، اتسع لك قلبه حتى يغدو وطنًا، وتغدو روحه مأوى.
وما الحب إلا أن يمتزج الشعور بالشعور، حتى يصبح ألمك ألمه،
وتعبك تعبه، وخوفك خوفه، وفرحك فرحه.
فإن بكى أحد القلبين، اغرورق الآخر قبل أن يرى الدموع،
وإن انكسر أحدهما، تصدّع الثاني وإن كان بعيدًا.
تلك هي المؤاخاة التي لا تصنعها القرابة، ولا ينسجها الوقت،
وإنما تنسجها الأرواح حين تتلاقى على الصدق.
أما الذي لا يهتز لوجعك، ولا يقلق لغيابك، ولا يضطرب لانطفائك، فلا تقل إنه مشغول،
بل قل إن شعوره لم يبلغ منزلة الحب؛ لأن الحب يقظةٌ لا تغفو،
ورحمةٌ لا تجفو، ولهفةٌ لا تخبو.
وكيف يطمئن قلبٌ يعلم أن قلبًا يحبه يئن؟
وكيف ينام جفنٌ أدرك أن في الطرف الآخر روحًا تُصارع وحدتها؟
إن الهم إذا سكن قلبًا واحدًا، أضناه، وإذا اقتسمته القلوب، هان، وإذا احتوته المحبة، ذاب.
ولذلك كان أعظم العطاء أن تجد من يحمل عنك ما لا يُحمل، لا لأنه أقوى منك، بل لأنه يرى أن تعبك من تعبه، وأن وجعك من وجعه، وأن سلامتك من سلامه.
وما أكرم الحب حين يجعل قلبين يخفقان بنبضٍ واحد، وما أعظمه حين يُلغي المسافات،
فلا يعود البعد بُعدًا، ولا الغياب غيابًا، لأن الشعور الصادق لا تحدّه أرض، ولا تمنعه سماء، ولا تقطعه الأيام.
فهو يسافر مع الأنفاس، ويقيم في الدعوات، ويظهر في اللهفة، ويختبئ في التفاصيل التي لا يلتفت إليها إلا من أحب بصدق.
فإن أردت أن تعرف مقامك عند أحد، فلا تنظر إلى كثرة كلامه، بل إلى مقدار قلقه عليك، ولا إلى جمال وعوده، بل إلى صدق حضوره، ولا إلى طول لقائه، بل إلى عمق شعوره. فالكلمات قد تُقال لكل أحد، أما الهم فلا يحمله إلا من أحب، ولا يتقاسمه إلا من صدق، ولا يزيله إلا قلبٌ رأى في راحتك راحته، وفي طمأنينتك طمأنينته، وفي نجاتك نجاته.
فذلك هو الحب… أن يتألم قلبان لوجعٍ واحد، وأن يبتسم قلبان لفرحةٍ واحدة، وأن تعجز اللغة عن وصف ما تفعله الرحمة إذا سكنت قلبًا أحب لله، وأحب بصدق، وأحب حتى صار يقول بلسان حاله قبل مقاله: وجعك لا يخصك وحدك، لأنه منذ أحببتك… صار وجعي أنا🦋
