(بين البين )
بينَ وَبَيْنَ…
بَيْنَ مَا نُرِيدُ وَمَا يَكْتُبُهُ القَدَرُ مَسَافَاتٌ لَا تُقَاسُ بِالخُطُوَاتِ، بَلْ بِالصَّبْرِ.
بَيْنَ كَلِمَةٍ لَمْ نَقُلْهَا، وَأُخْرَى تَمَنَّيْنَا لَوْ أَنَّهَا لَمْ تُقَلْ، حِكَايَاتٌ كَثِيرَةٌ تَسْكُنُ القُلُوبَ.
بَيْنَ اللِّقَاءِ وَالفِرَاقِ خَيْطٌ رَقِيقٌ، نَظُنُّهُ ثَابِتًا، فَيَأْتِي الزَّمَنُ لِيُعَلِّمَنَا أَنَّ أَضْعَفَ الأَشْيَاءِ قَدْ تُغَيِّرُ مَسَارَ العُمْرِ كُلِّهِ.
بَيْنَ الأَمَلِ وَالخَيْبَةِ تَقِفُ الأَرْوَاحُ مُتَرَقِّبَةً، لَا هِيَ قَادِرَةٌ عَلَى الرَّحِيلِ، وَلَا هِيَ مُطْمَئِنَّةٌ بِالبَقَاءِ.
بَيْنَ “كَانَ” وَ”لَيْتَ” عَالَمٌ كَامِلٌ مِنَ الحَسْرَاتِ، يَبْنِيهِ الإِنْسَانُ حَجَرًا فَوْقَ حَجَرٍ، ثُمَّ يَكْتَشِفُ أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ السَّكَنَ فِيهِ.
بَيْنَ النُّورِ وَالعَتَمَةِ نَعْرِفُ قِيمَةَ الضِّيَاءِ، وَبَيْنَ الحُضُورِ وَالغِيَابِ نَعْرِفُ مَنْ كَانَ يَسْكُنُنَا حَقًّا.
بَيْنَ النَّبْضِ وَالصَّمْتِ أَحَادِيثُ لَا تُكْتَبُ، وَمَشَاعِرُ لَا تُفَسَّرُ، وَدُمُوعٌ تَعْرِفُ طَرِيقَهَا إِلَى العُيُونِ دُونَ اسْتِئْذَانٍ.
بَيْنَ الرُّوحِ وَالرُّوحِ أَسْرَارٌ لَا يَفْهَمُهَا أَحَدٌ، فَبَعْضُ النَّاسِ يَعْبُرُونَ حَيَاتَنَا كَعَابِرِي سَبِيلٍ، وَبَعْضُهُمْ يَمُرُّونَ مَرَّةً وَاحِدَةً فَيَتْرُكُونَ أَثَرًا يَبْقَى أَبَدًا.
وَبَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِي حَدِيثٌ لَا يَنْتَهِي؛ أُصَالِحُهَا مَرَّةً، وَأُعَاتِبُهَا مَرَّاتٍ، وَأُخْبِرُهَا دَائِمًا أَنَّ مَا كُتِبَ لَهَا سَيَأْتِيهَا، وَإِنْ تَأَخَّرَ.
فَمَا أَجْمَلَ تِلْكَ المَسَافَاتِ الَّتِي تَقَعُ بَيْنَ وَبَيْنَ، فَهِيَ لَيْسَتْ فَرَاغًا كَمَا نَظُنُّ، بَلْ مَيْدَانٌ تَنْضُجُ فِيهِ الأَرْوَاحُ، وَتُخْتَبَرُ فِيهِ النَّوَايَا، وَتَنْكَشِفُ فِيهِ
الحَقَائِقُ، حَتَّى نَصِلَ إِلَى مَا كُتِبَ لَنَا، وَنَحْنُ أَكْثَرُ فَهْمًا، وَأَعْمَقُ شُعُورًا، وَأَقْوَى قَلْبً.
