(أيــام الشــدة)
أَيَّامُ الشِّدَّةِ…
وَأَوْجُهُ النَّاسِ…
وَالأَقْنِعَةُ الَّتِي تُلْبَسُ حِينَها…
وَالأَقْنِعَةُ الَّتِي تَتَزَحْزَحُ مِنْ مَكَانِهَا…
وَالكَلِمَاتُ الَّتِي كَانَتْ تُقَالُ بِسُهُولَةٍ، ثُمَّ يَعْجِزُ أَصْحَابُهَا عَنْ تَكْرَارِهَا.
وَالْوُعُودُ الَّتِي كَانَتْ تَمْلَأُ الأُفُقَ، ثُمَّ تَضِيقُ عَنْ مَوْضِعِ خُطْوَةٍ.
وَالْقُلُوبُ الَّتِي ادَّعَتِ الثَّبَاتَ، فَكَشَفَتْهَا أَوَّلُ رِيحٍ.
وَالْعُيُونُ الَّتِي كَانَتْ تَلْمَعُ وُدًّا، فَأَظْهَرَتْ فِي الشِّدَّةِ بَرْدًا وَصَدًّا.
وَالأَصْوَاتُ الَّتِي كَانَتْ تَعْلُو بِالقُرْبِ، ثُمَّ خَفَتَتْ عِنْدَ الحَاجَةِ.
وَالْمَجَالِسُ الَّتِي ضَجَّتْ بِالحُضُورِ، فَخَلَتْ مِنْ أَهْلِ الوَفَاءِ.
وَالأَيَادِي الَّتِي لَوَّحَتْ بِالمَحَبَّةِ، ثُمَّ تَرَاجَعَتْ عِنْدَ الامْتِحَانِ.
أَيَّامُ الشِّدَّةِ…
لَا تَسْرِقُ مِنَّا شَيْئًا، بَلْ تُعِيدُ الأَشْيَاءَ إِلَى حَقِيقَتِهَا.
فِيهَا يَسْقُطُ التَّزْيِينُ، وَيَبْقَى التَّكْوِينُ.
وَيَخْتَفِي الادِّعَاءُ، وَيَبْقَى الوَفَاءُ.
وَيَنْكَسِرُ الزَّيْفُ، وَيَنْتَصِبُ الصِّدْقُ.
فِيهَا نَعْرِفُ مَنْ يُحِبُّنَا حُضُورًا وَغِيَابًا.
وَمَنْ يَذْكُرُنَا قُرْبًا وَبُعْدًا.
وَمَنْ يَحْمِلُنَا دُعَاءً وَوِدًّا.
وَمَنْ يَتْرُكُنَا عُذْرًا وَصَمْتًا.
أَيَّامُ الشِّدَّةِ…
مِرْآةٌ لَا تُجَامِلُ.
وَمِيزَانٌ لَا يُخْطِئُ.
وَقَاضٍ لَا يَظْلِمُ.
تُسْقِطُ الأَلْقَابَ، وَتُبْقِي الأَخْلَاقَ.
وَتُبْعِدُ الأَجْسَادَ، وَتُقَرِّبُ الأَرْوَاحَ.
وَتُظْهِرُ الضِّدَّ بِضِدِّهِ؛ فَنَعْرِفُ النُّورَ مِنَ الظَّلَامِ، وَالصَّادِقَ مِنَ المُدَّعِي، وَالصَّفْوَ مِنَ الكَدَرِ.
وَعِنْدَمَا تَنْقَضِي…
لَا نَخْرُجُ مِنْهَا كَمَا دَخَلْنَا.
بَلْ نَخْرُجُ بِعُيُونٍ أَبْصَرَ.
وَقُلُوبٍ أَوْعَى.
وَأَرْوَاحٍ أَعْرَفَ بِالنَّاسِ.
فَمَا أَكْثَرَ مَنْ تَسْقُطُ صُوَرُهُمْ فِي الرَّخَاءِ…
وَمَا أَقَلَّ مَنْ يَثْبُتُ قَدْرُهُمْ فِي الشِّدَّة .
