(مَـــزيــج)
مزيجٌ مُرْعِبٌ وَجَمِيلٌ
يَجْعَلُنَا نَعْشَقُ الحَيَاةَ، وَنَطْمَئِنُّ،
وَيَذْهَبُ كُلُّ تَعَبٍ نَشْعُرُ بِهِ، وَكُلُّ ضِيقٍ مَرَرْنَا بِهِ،
فَقَطْ بِوُجُودِ شَخْصٍ وَاحِدٍ، أَوْ بِسَمَاعِ صَوْتِهِ، فَقَطْ لِأَنَّنَا أَحْبَبْنَاهُ.
وَكَأَنَّ الحُبَّ لَمْ يَأْتِ لِيُغَيِّرَ الأَيَّامَ، بَلْ جَاءَ لِيُغَيِّرَ نَحْنُ كَيْفَ نَنْظُرُ إِلَيْهَا.
فَمَا عَادَ الصَّبَاحُ صَبَاحًا إِلَّا إِذَا اقْتَرَنَ بِذِكْرِهِ،
وَلَا أَمْسَى اللَّيْلُ لَيْلًا إِلَّا إِذَا سَبَقَهُ صَوْتُهُ.
فَيَنْقَلِبُ الوَجَعُ وَجْدًا، وَيَصِيرُ الصَّبْرُ بَشَارَةً،
وَتَغْدُو الأَنْفَاسُ الَّتِي كَانَتْ تُثْقِلُنَا، خَفِيفَةً كَأَنَّهَا لَمْ تَعْرِفْ التَّعَبَ يَوْمًا.
غَرِيبٌ أَمْرُ القُلُوبِ… تَقْوَى بِضَعْفِهَا،
وَتَرْبَحُ بِخَسَارَتِهَا، وَتَسْتَغْنِي بِمَنْ أَحَبَّتْ،
وَهِيَ أَشَدُّ مَا تَكُونُ افْتِقَارًا إِلَيْهِ.
فَيَجْتَمِعُ الخَوْفُ وَالأَمَانُ، وَالقُرْبُ وَالحَنِينُ، وَالصَّمْتُ وَالحَدِيثُ،
دُونَ أَنْ يَتَنَازَعُوا، بَلْ يَتَعَانَقُوا فِي قَلْبٍ وَاحِدٍ، لَا يَعْرِفُ كَيْفَ يَنْجُو مِنْهُمْ، وَلَا يُرِيدُ النَّجَاةَ.
لَيْسَ لِأَنَّهُ أَجْمَلُ النَّاسِ، بَلْ لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ فِي المَكَانِ الَّذِي لَا يَبْلُغُهُ أَحَدٌ.
فَهُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ مَنْ يَمُرُّ عَلَى القَلْبِ، وَبَيْنَ مَنْ يَسْكُنُهُ،
وَفَرْقٌ بَيْنَ مَنْ يَسْأَلُ عَنْ أَخْبَارِنَا، وَبَيْنَ مَنْ يُغَيِّرُ أَخْبَارَنَا بِمُجَرَّدِ حُضُورِهِ.
أَعْجَبُ مَا فِي الحُبِّ أَنَّهُ لَا يُطْفِئُ النَّارَ،
بَلْ يُعَلِّمُهَا كَيْفَ تَصِيرُ دِفْئًا، وَلَا يَمْحُو الجِرَاحَ،
بَلْ يَجْعَلُهَا أَقَلَّ أَلَمًا، وَلَا يُوقِفُ الزَّمَنَ، بَلْ يَجْعَلُ لِكُلِّ لَحْظَةٍ مَعَهُ عُمْرًا، وَلِكُلِّ عُمْرٍ بِعِيدِهِ لَحْظَةً.
فَنُصْبِحُ نَبْتَسِمُ لِأَسْبَابٍ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ، وَنَصْمُتُ عَنْ مَعَانٍ لَا تُفَسِّرُهَا اللُّغَاتُ،
وَنَحْمِلُ فِي أَعْمَاقِنَا يَقِينًا خَفِيًّا أَنَّ بَعْضَ الأَرْوَاحِ لَا تُرْسَلُ إِلَيْنَا لِتُكْمِلَ أَيَّامَنَا، بَلْ لِتُكْمِلَنَا نَحْنُ.
وَعِنْدَمَا نُحِبُّ بِهَذَا الصِّدْقِ، لَا نَبْحَثُ عَمَّنْ يُصْفِّقُ لِنَا، بَلْ عَمَّنْ يُسْكِتُ ضَجِيجَنَا.
لَا نَنْتَظِرُ الهَدَايَا، بَلْ نَنْتَظِرُ الطُّمَأْنِينَةَ.
لَا نَعُدُّ السَّاعَاتِ، بَلْ نَعُدُّ النَّبَضَاتِ الَّتِي عَادَتْ إِلَيْنَا بَعْدَ غِيَابٍ طَوِيلٍ.
فَيُصْبِحُ وُجُودُهُ نِعْمَةً، وَدُعَاؤُنَا أَلَّا يَكُونَ يَوْمًا ذِكْرَى،
لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ إِذَا أَحْبَبْنَاهُمْ، لَمْ يَعُودُوا جُزْءًا مِنْ حَيَاتِنَا،
بَلْ أَصْبَحُوا الحَيَاةَ الَّتِي نَعِيشُهَا، وَالسَّكِينَةَ الَّتِي نَلْتَجِئُ إِلَيْهَا،
وَالوَطَنَ الَّذِي نَعُودُ إِلَيْهِ كُلَّمَا أَتْعَبَتْنَا الطُّرُقُ، وَضَاقَتْ بِنَا الدُّنْيَا..
