لمْ يَقُلِ اللهُ تَعَالَى: فَقْرًا، وَلَا قِلَّةً، وَلَا حِرْمَانًا، بَلْ قَالَ: ﴿ضَنْكًا﴾؛
لِأَنَّ الضَّنْكَ لَيْسَ نَقْصًا فِي الأَرْزَاقِ، بَلْ ضِيقٌ فِي الصُّدُورِ،
وَوَحْشَةٌ فِي القُلُوبِ، وَغُرْبَةٌ تَسْكُنُ الرُّوحَ، وَإِنِ امْتَلَأَتِ اليَدُ بِالدُّنْيَا.
قَدْ يَمْلِكُ الإِنْسَانُ كُلَّ مَا يَتَمَنَّى، وَيَسْكُنُ أَفْخَمَ البُيُوتِ،
وَيَرْتَدِي أَغْلَى الثِّيَابِ، وَيُحَاطُ بِالنَّاسِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ،
ثُمَّ يَأْوِي إِلَى فِرَاشِهِ وَفِي قَلْبِهِ ضِيقٌ لَا يَعْرِفُ لَهُ سَبَبًا، وَهٰذَا هُوَ الضَّنْكُ الَّذِي وَصَفَهُ اللهُ؛
فَإِنَّ الرُّوحَ إِذَا ابْتَعَدَتْ عَنْ مَنْ خَلَقَهَا، لَنْ يُرْوِيَهَا شَيْءٌ مِمَّا خُلِقَ لَهَا.
الدُّنْيَا تُبْهِرُ الأَبْصَارَ، وَلَكِنَّهَا لَا تَمْلِكُ أَنْ تُطْمَئِنَّ القُلُوبَ.
وَالشَّهَوَاتُ تُمْتِعُ اللَّحْظَةَ، وَلَكِنَّهَا لَا تَبْنِي سَكِينَةً دَائِمَةً.
فَكُلَّمَا ظَنَّ المُعْرِضُ أَنَّهُ وَصَلَ إِلَى غَايَةٍ، وُلِدَ فِي نَفْسِهِ فَرَاغٌ جَدِيدٌ،
وَكُلَّمَا أَدْرَكَ حُلْمًا، رَكَضَ خَلْفَ حُلْمٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ القَلْبَ لَا يَمْلَؤُهُ إِلَّا ذِكْرُ اللهِ.
إِنَّ الضَّنْكَ لَيْسَ فِي قِلَّةِ المَالِ، بَلْ فِي قِلَّةِ البَرَكَةِ.
وَلَيْسَ فِي فَقْدِ النِّعَمِ، بَلْ فِي فَقْدِ لَذَّةِ شُكْرِهَا.
وَلَيْسَ فِي كَثْرَةِ البَلَاءِ، بَلْ فِي غِيَابِ الرِّضَا عَنْ قَضَاءِ اللهِ.
فَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ، حَمَلَ هَمَّهُ بَيْنَ جُنُوبِهِ، وَإِنْ ضَحِكَ، وَتَقَلَّبَ فِي النَّعِيمِ، وَصَفَّقَ لَهُ النَّاسُ.
وَمَا أَعْظَمَهَا مِنْ رِسَالَةٍ؛ أَنْ يَعْلَمَ الإِنْسَانُ أَنَّ السَّعَادَةَ لَا تُشْتَرَى،
وَأَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ لَا تُوهَبُ إِلَّا لِمَنْ أَقْبَلَ عَلَى اللهِ.
فَإِذَا ضَاقَتْ بِكَ الدُّنْيَا، فَلَا تَفْتَحْ أَبْوَابَ الدُّنْيَا أَكْثَرَ، بَلِ افْتَحْ بَابَ السَّمَاءِ.
وَإِذَا أَثْقَلَتْكَ الهُمُومُ، فَاعْلَمْ أَنَّ أَقْرَبَ الطُّرُقِ إِلَى السَّكِينَةِ هُوَ ذِكْرُ اللهِ.
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾؛ فَهُنَا تَنْتَهِي الحَيْرَةُ، وَيَزُولُ الضَّنْكُ، وَتَبْدَأُ الحَيَاةُ الحَقِيقِيَّةُ...
