N.
ROOH MN NFS

الأم والأب معاً

 

صوره توضح شعور  أنا الأم وأنا الأب لأبنائي حملٌ لا يستطيع أن يعرفه إلا من جربه فقط (قراءة ممتعة)
( الأم والأب معاً)

أنا الأمُّ والأبُ معًا.

أنا من جمعتُ الشيءَ وضدَّه.

أنا القسوةَ والحنان.

أنا الأنثى والرجل.

أنا من أحنو، وأنا من أقسو.

أنا من تعلّمت أن تُخفي دمعها؛ كي لا يرى أبناؤها في الحياة ضعفًا، وأن تُظهر ابتسامتها؛ كي لا يسكن الخوف قلوبهم. فإن بكى الليل في صدري، أشرقتُ لهم صباحًا لا يعرف الانكسار، وإن أثقلتني الهموم، حملتُها وحدي؛ لأنهم لا يستحقون أن يرثوا وجعي، بل أن يرثوا قوتي.

أنا الحضن إذا أوجعتهم الدنيا، وأنا السور إذا حاولت الدنيا أن تؤذيهم. أفتح لهم ذراعي إذا ضاقت بهم الطرق، وأقف في وجوه العواصف إذا هبّت عليهم الرياح. فإن احتاجوا إلى رحمةٍ كنتُ أمًّا، وإن احتاجوا إلى هيبةٍ كنتُ أبًا، حتى صار قلبي يتقاسم الدورين، ولا يشكو من ثقلهما، بل يستمد منهما معنى الحياة.

أنا التي تعاقب ودمعتها تسبق كلماتها، وتشدُّ على أيديهم وقلبها يرتجف خشية أن يظنوا أن الحزم قسوة. وما علموا أن أشدَّ العقوبات ألمًا هي تلك التي تؤلم مُنزلها قبل مُتلقيها، وأن الأم لا تؤذي، وإنما تؤدب، ولا تكسر، وإنما تُقوِّم، ولا تقسو انتقامًا، وإنما تقسو رحمةً، حتى لا تقسو عليهم الأيام.

أنا من تعلّمت أن أكون السند حين غاب السند، والكتف حين غابت الأكتاف، والباب الذي لا يُغلق مهما اشتدت الحاجة. فإن تعبتُ أخفيتُ تعبي، وإن ضعفتُ خبأتُ ضعفي، وإن خفتُ واجهتُ خوفي وحدي؛ لأنني أعلم أن خوف الأم إذا ظهر، اضطربت قلوب صغارها.

أنا التي تحمل همَّ اليوم، ورزق الغد، وتربية العمر كله. أفكر قبل أن يطلبوا، وأشعر قبل أن يتكلموا، وأرى في عيونهم ما يعجز عنه اللسان. فأفرح لفرحهم كأن الدنيا كلها قد مُلئت نورًا، وأحزن لحزنهم كأن الحزن خُلق لي وحدي.

ولستُ أبحث عن تصفيقٍ، ولا عن ثناءٍ، ولا عن كلماتٍ تُقال ثم تُنسى. يكفيني أن أكبر في أعينهم قدوةً، وفي قلوبهم أمانًا، وفي دعائهم أثرًا لا ينقطع. يكفيني أن يعلموا يومًا أن ما رأوه مني لم يكن قوةً فطرية، بل قوةً وهبها الله لكل أمٍّ أحبت أبناءها أكثر مما أحبت نفسها.

أنا امرأةٌ قسمت قلبها بينهم، ولم يبقَ لها إلا نبضٌ يعيش بهم. أُطعمهم من راحتي، وأكسوهم من صبري، وأمنحهم من عمري ما لا يعود. فإن سألني أحدٌ: كيف استطعتِ أن تكوني أمًّا وأبًا في وقتٍ واحد؟ قلت: لم أختر ذلك، ولكنني اخترت ألا يشعر أولادي يومًا أنهم فقدوا شيئًا بوجودي. فصرتُ لهم يدًا إذا تعثروا، وعينًا إذا غفلوا، وصوتًا إذا احتاروا، ودعاءً إذا ضاقت بهم الأرض بما رحبت.

وهكذا أمضي… لا أعدُّ ما خسرته، بل أحمد الله على ما حفظه. لا أنظر إلى ثقل الطريق، بل إلى الوجوه التي تستحق أن أصل من أجلها. فإن كانت الأمومة بحرًا، فقد ألقيتُ فيه عمري راضيةً، وإن كانت الرسالة جبلًا، فقد حملته بقلبٍ مؤمنٍ أن الله لا يضيع تعب أمٍّ جعلت أبناءها رسالتها، ودعاءها، وأجمل انتصاراته🦋


ختم القراءة: روح من نفس — بقلم نورة الثقفي، حيث تمر الحروف بهدوء وتترك في القلب وردة لا تذبل.