غــرابة
غرابةُ الأشخاص…
أمِ الحقائق…
أمِ الزَّمن؟
كيف لهم أن يروا الحقيقةَ بأمِّ أعينهم، ثم يُقسموا بالله على خلافها؟
كيف تُبصرُ الأعينُ النور، ثم تُصرُّ الألسنةُ على وصفه ظلامًا؟
أهي غشاوةٌ على البصيرة؟ أم هوىً إذا تملَّكَ القلبَ أعماه، وأصمَّه، وأخرس ضميرَه؟
ما أعجب الإنسان حين يُخاصم الحقيقة، لا لأنها غامضة، بل لأنها لا توافق رغبتَه. فيجعل من الكذب يقينًا، ومن الباطل مذهبًا، ثم يرفع يده إلى السماء مُقسمًا أن ما يقول هو الحق، وكأنَّ القسمَ يُغيِّر الوقائع، أو أنَّ الحلفَ يمحو ما شهدته العيون.
غريبٌ أن يخاف المرءُ من مواجهة الناس، ولا يخاف من مواجهة الله. وأن يستحي من انكشاف كذبته أمام البشر، ولا يستحي من علم الله الذي لا تخفى عليه خافية. فالحقيقة لا تموت إذا أنكرها الناس، ولا تتبدل إذا اجتمعوا على تكذيبها، بل تبقى ثابتةً كالجبال، وإن حاولوا دفنها تحت ركام الأيمان الكاذبة.
كم من حقٍّ ضاع لأنَّ الباطل كان أعلى صوتًا، وكم من مظلومٍ بكى لأنَّ الشاهد باع ضميرَه، وكم من بريءٍ حُمِّل ذنبًا لم يقترفه، لأنَّ النفوس إذا فسدت، لم يعد يهمها الصدق، بل ما يُحقق لها مصلحةً أو يُرضي هوًى.
إنَّ أخطر الكذب ليس ما يُقال للناس، بل ما يُقال للنفس حتى تُصدِّقه. فحين يكرر الإنسان باطلَه، يظن أنه أصبح حقيقة، ويُقنع قلبه بأنَّ الخيانة وفاء، والظلم عدل، والغدر حكمة، والكذب ضرورة. وهناك تبدأ الهزيمة الحقيقية؛ هزيمة الضمير قبل هزيمة اللسان.
وليس الزمن هو الذي تغيَّر، بل النفوس. فالزمن لا يعرف الكذب، وإنما الناس هم الذين يُلبسونه ثوبهم. والحقائق لا تخون، وإنما تُخان. والأيام لا تظلم، وإنما تُظهر ما كان مستترًا في القلوب.
سيأتي يومٌ لا ينفع فيه قسم، ولا تُجدي فيه حيلة، ولا يستطيع أحدٌ أن يُغيِّر حقيقةً شهدت بها الجوارح، ونطقت بها الأعمال، وأحصاها العليم الخبير. يومٌ تُكشف فيه السرائر، وتُوزن فيه الكلمات قبل الأفعال، فلا يبقى إلا الحق، ولا ينجو إلا الصادق.
فالعجيب ليس أن يكذب الإنسان… بل أن يُقسم بالله وهو يعلم أن الله يعلم🦋
