ماعندكم _ ماعند الله
(ماعندكم _ما عند الله )
قال تعالى: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾.
هذه الآية تجعلني أقفُ بلحظةِ صمتٍ طويلةٍ أمامَ كلِّ ما يدورُ حولنا هذه الأيام، وكأنها تُعيدُ ترتيبَ المعاني في داخلي من جديد. ففي زمنٍ أصبحت فيه الأشياءُ تُقاسُ بسرعةِ الحصولِ عليها، وبكثرةِ امتلاكها، تأتي هذه الآية لتُذكِّرنا بحقيقةٍ ثابتةٍ لا تتغير؛ أنَّ كلَّ ما في أيدينا إلى زوال، وكلَّ ما نتعلَّقُ به من متاعِ الدنيا مؤقتٌ مهما بدا دائمًا.
نركضُ خلفَ المال، ونُرهقُ أرواحَنا من أجلِ المناصب، ونُطيلُ التفكيرَ في أمورٍ نظنُّ أنها غايةُ السعادة، ثم نكتشفُ بعد حينٍ أنَّ الكثيرَ منها قد نفد، أو تغيَّر، أو فقدَ بريقَه. أشخاصٌ كانوا يملؤون أيامَنا رحلوا، وأحلامٌ ظننَّا أنها نهايةُ الطريق أصبحت ذكرى، وأشياءٌ تمنَّيناها طويلًا ما إن حصلنا عليها حتى خفتَ وهجُها في أعيننا.
لكنَّ ما عند الله باقٍ.
تبقى الكلمةُ الطيبةُ التي قلتها لوجهِ الله، ويبقى المعروفُ الذي صنعته دون انتظارِ مقابل، ويبقى الصبرُ الذي تحملتَ به أوجاعَك، وتبقى الدموعُ التي نزلت خشيةً من الله، ويبقى الأثرُ الجميلُ الذي تركتَه في قلوبِ الناس.
هذه الآية لا تدعونا إلى تركِ الدنيا، بل تدعونا إلى أن نضعها في حجمها الحقيقي. أن نُحبَّ دون تعلُّقٍ يُنسينا الله، وأن نملكَ دون أن تملكنا الأشياء، وأن نسعى دون أن ننسى أنَّ الرزقَ من عند الله، وأنَّ البقاءَ الحقيقي ليس لما نجمعه في أيدينا، بل لما نُقدِّمه لأنفسنا عند ربِّ العالمين.
وحين أتأملُ هذه الآية، أشعرُ أنَّ كثيرًا من مخاوفِنا لا تستحقُّ كلَّ هذا القلق، وأنَّ كثيرًا مما نحزنُ على فقدِه كان زائلًا أصلًا. فكلُّ ما عندنا ينفد، أمَّا ما عند الله فباقٍ، والباقي هو ما يستحقُّ أن نُفنيَ أعمارَنا في طلبه. 🦋

تعليقات
إرسال تعليق