أيُّهــا الشريف
(أيُّهــا الشريف)
كلماتٌ نطقتُ بها في صغري ...
لم أُدرك ما ستفعلُ بي حين أكبر…
أبي..
وأيُّ معنىً حملته هذه الكلمة؟
وأيُّ ظلٍّ وارفٍ كانت تختبئ تحته روحي دون أن أشعر؟
أيُّها الشريف…
كلما تقدَّمتُ في العمر، اكتشفتُ أنَّ الطفولة لم تكن تعرف قيمة ما تملك. كنتُ أظنُّ أنَّ وجودكَ أمرٌ طبيعي، كالشمس التي تشرق كلَّ صباح، وكالهواءِ الذي يملأ الرئتين دون استئذان. لم أكن أعلم أنَّ بعض النِّعم لا تُعرَف عظمتها إلا حين ننضج، فننظر إلى الوراء وندرك كم كانت تحيط بنا من كلِّ جانب.
كبرتُ، فرأيتُ رجالًا كثيرين، لكنني أدركتُ أنَّ الرجولة ليست هيئةً ولا صوتًا مرتفعًا، بل موقفٌ يُؤخذ عند الشدائد، ويدٌ تمتدُّ قبل أن يُطلب منها، وقلبٌ يحمل همَّ الآخرين بصمت. وعندها فقط فهمتُ لماذا كنتَ مختلفًا.
أيُّها الشريف…
كنتَ السند الذي لا يتحدث عن سنده، والقوة التي تخفي تعبها خلف ابتسامةٍ هادئة. كنتَ تُعطي أكثر مما تملك، وتؤثر غيرك على نفسك، وتمضي في طرق الحياة الشاقة وكأنها أمرٌ هيِّن، بينما كنتَ تحمل من الأعباء ما لو وُضع على الجبال لأثقلها.
واليوم، كلما رأيتُ قسوة هذا العالم، ازددتُ يقينًا أنَّ وجود الآباء الصادقين نعمةٌ لا تُشترى، وأنَّ بعض الرجال لا تُنصفهم الكلمات مهما بلغت فصاحتها. فهم أكبر من الوصف، وأعمق من العبارات، وأجمل من أن تحتويهم السطور.
فشكرًا لكلِّ مرةٍ أخفيتَ فيها خوفك كي نطمئن، ولكلِّ مرةٍ تعبتَ فيها كي نرتاح، ولكلِّ دعوةٍ رفعتها في جوف الليل ولم نعلم بها.
سيبقى اسمُك في القلب مقامًا لا يبلغه أحد، وستبقى صورتُك درسًا في الكرامة والشهامة والنُّبل.
أيُّها الشريف… ننحني لتمُرَّ بعصاك🦋

تعليقات
إرسال تعليق