أنا ابنةُ الأشياءِ التي لم تحدث
أنا ابنةُ الأشياءِ التي لم تحدث…
لا أعرف متى بدأت حكايتي تحديدًا؛ أفي اللحظة التي تمنيتُ فيها شيئًا ولم يأتِ، أم في اللحظة التي جاءني شيءٌ لم أتمناه؟
كل ما أعرفه أنني كبرتُ وفي داخلي مدينةٌ كاملة من الاحتمالات: أبوابٌ لم تُفتح، رسائلُ لم تُرسل، طرقٌ انقطعت قبل أن أعرف إلى أين كانت ستقودني، ووجوهٌ مرّت بقربي ثم تركت في الذاكرة سؤالًا لا جواب له.
كنت أظن أن الحكايات تُقاس بما يحدث فيها، حتى اكتشفت أن بعض أعظم فصول الإنسان تُكتب بالحبر الذي لم يُستعمل.
هناك أشياء لم أعشها، ومع ذلك تركت أثرها فيَّ.
حبٌّ لم يكتمل، لكنه علّمني أن القلب قد يتعلّق بما لم تلمسه اليد.
وعدٌ لم يُوفَ، لكنه علّمني أن الكلام مهما كان بديعًا يظل ناقصًا ما لم يجد له فعلًا يصدّقه.
لقاءٌ لم يحدث، لكنه ظلّ طويلًا في خيالي كأنه ذكرى لم تولد بعد.
كنت أشتاق أحيانًا إلى ما لم أمتلك، وأحزن على ما لم أفقد؛ وهذه أكثر صور الفقد غرابةً: أن تبكي على شيءٍ لم يكن لك، وأن تفتقد احتمالًا لم يأخذ فرصته كي يصبح حقيقة.
ولسنوات، كنت أتعامل مع الأشياء التي لم تحدث باعتبارها خسارات.
ثم كبرت.
وعرفت أن الحياة لا تسلبنا دائمًا؛ أحيانًا تنقذنا بطريقة لا نفهمها إلا بعد أن يهدأ الغضب، وينطفئ العتاب، ويصبح الماضي أبعد من أن يؤلم وأقرب من أن يُنسى.
كم بابًا ظننته رفضًا، وكان حماية؟
كم شخصًا ظننته فرصةً ضائعة، وكان نجاةً مؤجلة؟
وكم حلمًا بكيتُ لأنه لم يتحقق، ثم حمدتُ الله في سرّي لأنه لم يتحقق؟
لعل الحياة أكثر حكمةً مما نظن؛ نحن نرى المنع، وهي ترى ما وراءه.
لذلك لم أعد أطالب الماضي بتفسير.
بعض الأشياء لا تحتاج تفسيرًا، بل تحتاج أن تنتهي.
وبعض الأشخاص لا يحتاجون كراهيةً كي نغادرهم؛ يكفي أن ندرك أنهم لا يشبهون المكان الذي نريد أن نصل إليه.
تعلمت أن الرحيل ليس دائمًا هزيمة، كما أن البقاء ليس دائمًا وفاء.
أحيانًا يكون الرحيل انتصارًا هادئًا للذات.
وأحيانًا يكون البقاء أطول أشكال الخذلان.
لهذا صرت أؤمن أن الحب الحقيقي لا يطلب منك أن تختفي كي يستمر.
لا أريد علاقةً تجعلني أفتّش في الصمت عن إجابة، أو أقرأ بين السطور لأعرف إن كنت مرغوبة، أو أعيش على وعدٍ مؤجل واهتمامٍ متقطع.
أريد حبًا واضحًا دون أن يكون فظًا، عميقًا دون أن يكون معقدًا، مطمئنًا دون أن يكون مملًا.
أريد رجلًا إذا أحبّ، لم يجعلني في حيرةٍ من أمري.
إذا وعد، حمل وعده كما يحمل اسمه.
إذا اختلف، تكلّم.
إذا خاف، اعترف.
وإذا أرادني، لم يتركني معلّقةً بين “ربما” و”غدًا”.
فأنا لا أخشى الحقيقة، مهما كانت قاسية.
ما يخيفني هو نصف الحقيقة؛ تلك المنطقة الرمادية التي لا تستطيع فيها أن تقول: أنا لك، ولا تستطيع أن تقول: لست لك.
لقد تعبت من العلاقات التي تحتاج إلى ترجمان.
أريد شيئًا لا أحتاج معه إلى تفسير نظرة، أو تحليل غياب، أو جمع الأدلة لأثبت لنفسي أنني مهمة.
فالذي يريدك حقًا لا يجعلك محققةً في قضية حبك.
ومع ذلك، لم تعد المسألة عندي أن يأتي أحد.
هذه الفكرة نفسها تغيّرت.
كنت أظن أن اكتمالي مرتبط بمن يحبني.
ثم اكتشفت أنني كنت أضع مفتاح بيتي في جيوب الآخرين.
كنت أنتظر كلمةً من الخارج كي أطمئن إلى قيمتي في الداخل.
حتى جاء يومٌ فهمت فيه أنني لا أحتاج إلى أن يختارني أحد كي أكون جديرة بالاختيار.
ومنذ ذلك اليوم، بدأت علاقتي بنفسي.
لم تكن علاقةً مثالية.
تعلمت أن أحب المرأة التي أخطأت، لا المرأة التي أتمنى أن أكونها فقط.
أن أحنّ إلى ضعفي بدل أن أحتقره.
أن أنظر إلى ندبي باعتبارها خرائط نجاة، لا خرائط خراب.
أن أقول لنفسي حين أثقل:
اهدئي…
ليس عليكِ أن تعرفي كل شيء الآن.
يكفي أنكِ لم تتخلي عنكِ.
ربما كانت هذه أعظم مصالحةٍ عشتها؛ أن أعود إلى نفسي بعد أن أمضيت وقتًا طويلًا أبحث عنها في الآخرين.
ومن يومها تغيّر معنى الحب لدي.
لم أعد أريده تعويضًا.
لا أريد شخصًا يأتي ليملأ نقصًا، ولا أريد أن أكون بالنسبة إليه ضمادًا لجرح قديم.
أريده شراكةً بين قلبين مكتفيين، لا إنقاذًا بين غريقين.
أن يكون حضوره إضافةً لا إنقاذًا، ورفقًا لا رقابة، وسكنًا لا سجنًا.
أريد أن أحب دون أن أفقدني.
أن أشتاق دون أن أستجدي.
أن أقترب دون أن أتنازل عن كرامتي.
وأن أقول “نحن” دون أن تختفي خلفها كلمة “أنا”.
فالحب الذي يلغي الذات ليس حبًا كاملًا، مهما كان كامل الضجيج.
لقد تعلمت أيضًا أن الإنسان لا يكبر حين تتوقف الخيبات، بل حين تتغير طريقته في استقبالها.
لم تعد الخيبة عندي إعلانًا لنهاية العالم.
إنها رسالة.
أفتحها، أقرأها، أتألم قليلًا، ثم أمضي.
ليس لأنني لا أشعر، بل لأنني أشعر بما يكفي لأعرف أن قلبي يستحق مكانًا أكثر أمانًا.
ولهذا لا أندم على كل ما لم يحدث.
بعض الأشياء التي لم تحدث صنعت في داخلي مساحةً لأشياء أجمل.
وبعض الذين لم يبقوا تركوا لي مكانًا لنفسي.
وبعض الأبواب التي أغلقت خلفي أجبرتني على اكتشاف أن لديّ أبوابًا أخرى لم أجرّب فتحها.
أنا لا أعيش على “ليت”.
“ليت” كلمة جميلة حين تكون للتأمل، لكنها تصبح ثقيلة حين تتحول إلى بيت.
وأنا لم أعد أريد أن أسكن في بيتٍ من الاحتمالات.
أريد الحاضر.
هذا اليوم الذي بين يديّ.
هذه القهوة التي تبرد وأنا أكتب.
هذه المرآة التي لم تعد خصمًا.
هذا القلب الذي ما زال قادرًا على الحب رغم كل ما عرفه عنه.
أريد أن أعيش الأشياء حين تأتي، لا أن أستهلك عمري في تخيّلها.
فربما أجمل ما في الحياة أن تترك بعض الأبواب دون أن تعرف ما وراءها.
ليس كل غموضٍ نقصًا.
بعض الغموض رحمة.
وبعض النهايات التي لم نفهمها كانت بداياتٍ تتخفى في ثوب النهاية.
وقد يكون ما لم يحدث هو الجزء الذي كان ينبغي له ألّا يحدث أصلًا.
لهذا، حين أنظر إلى حياتي الآن، لا أراها سلسلةً من الخسارات.
أراها نصًا ما زالت بعض صفحاته بيضاء.
والصفحات البيضاء لا تعني أن القصة ناقصة؛ تعني أن القلم ما زال في يدي.
وهذه المرة، لن أكتب نفسي وفق ما يريده الآخرون.
لن أختصرني كي أُناسب أحدًا.
لن أعتذر عن مشاعري، ولن أبرر حدودي، ولن أقبل أن يكون وجودي في حياة أحدهم مشروطًا بقدرته على الحضور حين يناسبه.
لقد عرفت قيمتي متأخرة، نعم.
لكنني عرفتها.
وهذا يكفي.
فأنا لا أحتاج أن أكون المرأة التي لا تُرفض.
أريد أن أكون المرأة التي تعرف ماذا تفعل حين تُرفض.
لا تنكسر.
لا تتوسل.
لا تنتقم.
فقط تستدير بهدوء، وتحمل قلبها معها.
هناك فرقٌ بين امرأةٍ لم تعد تحب، وامرأةٍ ما زالت تحب لكنها تعلم متى تتوقف.
وأنا ما زلت أؤمن بالحب.
بل ربما أؤمن به أكثر من قبل.
لكنني لم أعد أؤمن بالحب الذي يحتاج إلى إثبات يومي.
أؤمن بالحب الذي يترك الطمأنينة خلفه كما يترك المطر رائحته على الأرض.
أؤمن باليد التي لا تمسكك لتملكك، بل لتطمئنك.
بالصوت الذي لا يرفع نفسه فوقك، بل يخفض ضجيجك.
بالعلاقة التي تستطيع فيها أن تقول: “أنا خائفة”، دون أن يستخدم خوفك ضدك.
وبالقلب الذي لا يجعلك تتساءلين كل ليلة: “هل ما زلت مهمة؟”
فالإنسان حين يجد الأمان لا يحتاج إلى السؤال عنه.
يشعر به.
وكأنني كنت طوال الوقت أبحث عن شيءٍ واحد، لكنني كنت أسميه بأسماء كثيرة.
الحب.
الاهتمام.
الاحتواء.
الأمان.
ثم اكتشفت أن كل هذه الكلمات، في جوهرها، كانت تشير إلى معنى واحد:
أن أكون مع شخصٍ لا يجعلني أخسر نفسي كي لا أخسره.
وهذه المرة، لن أفعل.
إن جاء الحب، سأفتح له الباب.
وإن لم يأتِ، لن أغلق الحياة.
سأظل أعيش، وأكتب، وأضحك، وأتعلم، وأحب، وأكبر.
سأظل أشتري الزهور حتى لو لم يهدني أحدٌ إياها.
وسأرتدي ما أحب حتى في الأيام التي لا يراني فيها أحد.
وسألتقط الصور التي تعجبني دون انتظار من يقول لي إنني جميلة.
لأنني تعلمت أخيرًا أن بعض الأشياء الجميلة لا تحتاج شاهدًا.
يكفي أنني رأيتها.
يكفي أنني عشتها.
يكفي أنني كنت هناك.
أنا ابنةُ الأشياء التي لم تحدث…
لكنني لست ابنةَ الندم.
أنا ابنةُ الاحتمال الذي نجا.
ابنةُ الخيبات التي صقلتني دون أن تطفئني.
ابنةُ الطرق التي لم أصلها، فصرت أعرف أكثر أيّ طريقٍ يشبهني.
ولست حزينةً لأن بعض الفصول لم تُكتب.
ربما لو كُتبت، لما أصبحتُ أنا.
وهنا تكمن المفارقة التي لم أفهمها إلا متأخرة:
أحيانًا لا تأتي الحياة بما نريد، لأنها تعرف أننا سنصبح ما نحتاج إليه.
لذلك، لا أريد أن أستعيد شيئًا مضى.
لا شخصًا، ولا فرصةً، ولا زمنًا.
ما كُتب لي سيجدني، وما لم يجدني لم يكن ضياعًا مني.
وسأترك للأيام مهمتها.
أما مهمتي أنا…
فأن أعيش.
أن أحبني دون شروط.
أن أحفظ قلبي دون أن أحوّله إلى حجر.
أن أظل رقيقةً دون أن أكون سهلة الكسر.
أن أظل طيبةً دون أن أكون مستباحة.
أن أظل مؤمنةً بالحب، دون أن أتنازل عن حقي في الوضوح.
وأن أظل أنا، مهما حاولت الحياة أن تجعلني نسخةً من امرأةٍ أخرى.
أنا ابنةُ الأشياء التي لم تحدث…
لكنني أيضًا ابنةُ الأشياء التي ستحدث.
وما دام في صدري نفس، وفي عينيّ ضوء، وفي يدي قلم، فما زالت الحكاية مفتوحة.
ربما ينتظرني غدٌ لا يشبه الأمس.
وربما يأتي شخصٌ لم أبحث عنه، فيجد امرأةً لم تعد تنتظر أحدًا.
وربما لا يأتي أحد.
وفي الحالتين…
سأكون بخير.
لأنني لم أعد أبحث عن نهايةٍ تجعل قصتي جميلة.
أنا أريد أن أعيشها جميلة.
وهذا، وحده، يكفيني.
أنا ابنةُ الأشياء التي لم تحدث…
لكنني المرأة التي حدثت لنفسها أخيرً...💗
