(إحســاس)
جميلٌ لكنه صعب،
راحةٌ لكنه تعب،
ابتسامةٌ لكنها قلق،
فرحٌ لكنه إجهاد،
قربٌ لكنه خوف،
وطمأنينةٌ تختبئ خلفها ألفُ هواجس.
هذا هو الشعور الذي يحمله لنا الحب؛
أن يجتمع في القلب الشيءُ ونقيضه،
أن يسكنك الفرحُ والخوفُ في اللحظة ذاتها،
أن تبتسم لأنك وجدت من تحب،
ثم تخاف لأنك وجدت شيئًا تخشى فقده.
الحبُّ ليس دائمًا وردةً تفوح بعطرها،
فقد يكون شوكةً تختبئ تحت أوراقها،
وليس دائمًا طريقًا مُعبّدًا بالطمأنينة،
بل قد يكون طريقًا طويلًا نمشيه بأقدامٍ ثابتة،
وقلوبٍ ترتجف من كل خطوة.
هو الصعبُ السهل،
والقويُّ الرخو،
والحضنُ والهجر،
والقربُ والبعد،
والوصلُ والفقد،
والأمانُ والخوف،
والضحكةُ والدمعة،
والبدايةُ التي نخشى نهايتها.
الحبُّ أن تكون سعيدًا لأن شخصًا ما أصبح جزءًا من يومك،
ومرهقًا لأنك لا تعرف إلى أين سيمضي بك هذا الجزء.
أن تنتظر رسالةً صغيرةً وكأنها موعدٌ مع الحياة،
وأن يتأخر الردُّ دقائق،
فتبدأ الأسئلة في بناء بيوتها داخل رأسك:
هل تغيّر؟
هل انشغل؟
هل ابتعد؟
هل ما زال يشعر بما كان يشعر به؟
الحبُّ يجعل الأشياء الصغيرة عظيمة؛
كلمةٌ تصبح وطنًا،
وصوتٌ يصبح مأمنًا،
ونظرةٌ تصبح قصيدة،
وابتسامةٌ تصبح عيدًا،
وغيابٌ قصيرٌ يصبح ليلًا طويلًا لا تنام فيه الروح.
وفي الحب، لا يؤلمنا دائمًا ما يحدث،
بل يؤلمنا ما نتخيله مما قد يحدث.
نحن لا نخاف من الغياب بقدر ما نخاف من اعتياده،
ولا نخاف من البعد بقدر ما نخاف أن يصبح القرب ذكرى،
ولا نخاف من الصمت بقدر ما نخاف أن يكون الصمت هو الجواب.
الحبُّ يجعل الإنسان أكثر قوةً وأكثر هشاشةً في آنٍ واحد.
قد تقف أمام العالم شامخًا لا تهزك كلمة،
ثم تأتي كلمة واحدة ممن تحب،
فتسقط كل حصونك دفعةً واحدة.
قد تكون صلبًا أمام الجميع،
لكن قلبك أمامه ليّنٌ كالماء؛
يأخذ شكل صوته،
ويتأثر بنبرة حديثه،
ويفرح لرضاه،
ويحزن من فتوره.
وهنا تكمن غرابة الحب:
أنه لا يأتي ليضيف إلى حياتنا شعورًا واحدًا،
بل يأتي ليخلط المشاعر كلها،
حتى لا نعود نعرف:
هل نحن بخير لأننا نحب؟
أم لسنا بخير لأننا نحب؟
نقول: «أنا سعيد»،
وفي داخلنا خوفٌ صغير يقول:
«لا تفرح كثيرًا، فقد تخسر ما أسعدك».
ونقول: «أنا مطمئن»،
وفي أعماقنا قلبٌ يسأل:
«إلى متى ستبقى هذه الطمأنينة؟»
ونقول: «أنا لا أخاف»،
بينما نحن نُخفي خلف تلك الجملة خوفًا عظيمًا من أن يأتي يومٌ لا يكون فيه من نحب كما كان.
الحبُّ أن تمنح أحدهم مفتاح قلبك،
ثم تكتشف أن المفتاح الذي منحته إياه
هو ذاته الذي يستطيع أن يفتح أبواب فرحك،
وأن يفتح معها أبواب حزنك.
أن تعطيه القدرة على أن يصنع يومك بكلمة،
ويفسده بكلمة أخرى.
فما أعجب القلب حين يحب!
يبحث عمّن يطمئنه،
ثم يخاف منه.
يشتاق إليه،
ثم يخشى أن يشتاق أكثر.
يريد قربه،
ثم يخاف أن يصبح القرب احتياجًا.
يريد أن يقول «لا تذهب»،
لكن كبرياءه يهمس: «لا تُظهر ضعفك».
الحبُّ مقابلةٌ عجيبة بين شيئين لا يجتمعان إلا فيه:
نحن نقترب كي نطمئن،
ونقترب فنخاف.
نبوح كي نرتاح،
ونبوح فنرتبك.
نعطي كي نشعر بالامتلاء،
ونعطي فنخشى الفراغ.
نشتاق كي نصل،
ونشتاق فنكتشف أن المسافة أصبحت أطول.
نفرح باللقاء،
ونحزن لأن اللقاء مؤقت.
حتى الوقت في الحب له وجهان؛
الدقيقة مع من نحب قد تمر كأنها لحظة،
والدقيقة بعيدًا عنه قد تمر كأنها عمر.
وما بين «متى أراك؟» و«متى تعود؟»
تولد حكايات لا يراها أحد.
الحبُّ ليس أن تجد شخصًا يجعلك تضحك فقط،
بل أن تجد شخصًا يجعل حتى دمعتك ذات معنى.
ليس أن تجد من يشاركك أفراحك،
بل من يستطيع أن يجلس إلى جوارك في أحزانك دون أن يطالبك بأن تكون بخير.
الحبُّ الحقيقي لا يلغي التعب،
لكنه يجعل التعب محتملًا.
لا يمنع الخوف،
لكنه يمنحك يدًا تمسك بك حين تخاف.
لا يلغي الحزن،
لكنه يمنح حزنك مكانًا آمنًا.
فليس الحب أن تكون الحياة جميلة طوال الوقت،
بل أن يكون هناك شخصٌ يجعل قسوة الحياة أقل قسوة.
أن يكون وجوده أشبه بمظلةٍ في مطرٍ لا يتوقف؛
هو لا يمنع المطر،
لكنه يمنعك من الوقوف تحته وحيدًا.
الحبُّ أن تعرف أن خلف كل صمتٍ حكاية،
وخلف كل نظرةٍ سؤالًا،
وخلف كل ابتسامةٍ ربما تعبًا لا يُقال.
أن تتعلم قراءة ما لا يُكتب،
وسماع ما لا يُقال،
وفهم ما تعجز الكلمات عن شرحه.
قد يقول لك أحدهم: «أنا بخير»،
لكن الحب يجعلك تعرف أن «بخير» أحيانًا تعني:
«احتوِني دون أن تسأل».
وقد يقول: «لا شيء»،
وتعرف أن وراء «لا شيء» أشياء كثيرة.
وقد يضحك،
فتسمع في ضحكته تعبًا لا يسمعه غيرك.
وقد يصمت،
فتفهم أن صمته ليس فراغًا،
بل حديثٌ طويل لم يجد طريقه إلى الحروف.
الحبُّ لغةٌ لا تُكتب بالحبر،
بل تُكتب بالاهتمام.
ولا تُقرأ بالعين،
بل تُقرأ بالقلب.
ولهذا فإن أجمل ما في الحب ليس أن يقول لك أحدهم «أحبك»،
بل أن يجعلك تشعر بها دون أن يقولها.
أن يتذكّر التفاصيل التي نسيتها أنت،
أن يسأل عن شيءٍ ظننته عابرًا،
أن ينتبه إلى تغير صوتك،
إلى صمتك،
إلى تعبك،
إلى تلك اللمعة التي اختفت من عينيك.
الحبُّ ليس كثرة الكلام،
بل صدق المعنى.
فكم من «أحبك» كانت فارغة،
وكم من صمتٍ كان ممتلئًا بالحب.
وكم من شخصٍ قال: «أنا معك»،
ثم تركك عند أول منعطف،
وكم من شخصٍ لم يقل شيئًا،
لكنه بقي حين غادر الجميع.
لذلك، الحبُّ ليس وعدًا دائمًا بالسعادة،
بل عهدٌ بأن لا تكون وحيدًا في الحزن.
هو أن تقول للآخر، دون أن تنطق:
«إن أثقلتك الحياة، فتعال،
وإن أرهقك الطريق، فاسترح،
وإن ضاقت بك الدنيا، فلي في صدري متسع،
وإن عجزت عن الكلام، فسأفهم صمتك».
الحبُّ حضنٌ قد يكون أحيانًا أبعد من المسافة،
وقربٌ قد يكون أعمق من اللمس.
وقد يكون شخصًا يسكن في مدينة بعيدة،
لكنه يسكن في قلبك أقرب من الجميع.
وقد يجلس إلى جوارك أحدهم،
لكن بينكما مسافةٌ لا تقطعها الأقدام.
وهنا يظهر الوجه الآخر للحب:
فليس كل قربٍ وصالًا،
ولا كل بعدٍ فراقًا.
قد يكون القريب بعيدًا،
وقد يكون البعيد أقرب من الوريد.
قد يلمس أحدهم يدك ولا يلمس قلبك،
وقد يلمس قلبك بكلمةٍ واحدة دون أن يقترب منك خطوة.
الحبُّ مفارقةٌ لا تنتهي؛
قد يكون أجمل ما حدث لك،
وأصعب ما مرّ بك.
قد يعلّمك كيف تبتسم،
ثم يعلّمك كيف تخفي دمعتك.
قد يمنحك جناحين،
ثم يجعلك تخاف الطيران.
قد يفتح لك نافذةً على الفرح،
ثم يجعلك تخشى أن تُغلق.
ومع ذلك، نحب.
نحب رغم معرفتنا بأن القلب لا يملك ضمانًا،
وأن المشاعر لا تأتي معها عقودٌ مكتوبة،
وأن الأشخاص قد يتغيرون،
والظروف قد تتبدل،
والأيام قد تأخذ منا ما ظنناه باقيا.
نحب؛
لأن القلب لا يسأل العقل دائمًا عن الإذن.
ولأن بعض الأرواح حين تأتي،
لا تستأذن الباب،
بل تدخل مباشرةً إلى أعمق مكانٍ فينا.
نحب لأن هناك أشخاصًا يجعلوننا نرى الحياة بعينٍ أخرى؛
نرى الصباح أكثر إشراقًا،
والليل أكثر دفئًا،
والأغاني أكثر معنى،
والتفاصيل أكثر حياة.
لكننا نتعب أيضًا،
لأن القلب حين يحب يصبح شديد الانتباه؛
يراقب التغيرات الصغيرة،
ويحسب المسافات،
ويخاف من الفتور،
ويشتاق قبل أن يشتاق الآخر.
وهذا هو الوجه الذي لا يراه أحد من الحب:
أن تكون سعيدًا ومتوترًا،
ممتلئًا وفارغًا،
قويًا وضعيفًا،
مطمئنًا وقلقًا،
في اللحظة ذاتها.
أن تقول: «أحبه»،
فتأتي بعدها مباشرةً فكرةٌ صغيرة:
«وماذا لو لم يبقَ؟»
أن تقول: «وجدت راحتي»،
ثم تسأل نفسك:
«وماذا لو فقدتها؟»
وهكذا يصبح الحبُّ أحيانًا راحةً تُتعب،
وتعبًا يُريح.
يمنحك شيئًا تخشى فقده،
ويجعلك تخاف لأنك وجدت ما يستحق الخوف عليه.
وربما لهذا السبب تحديدًا يكون الحبُّ جميلًا؛
لأن الأشياء التي لا نخاف فقدها،
لا نعرف قيمتها حقًا.
الحبُّ لا يجعلنا ضعفاء،
بل يكشف لنا الأماكن التي كنا نخفي فيها ضعفنا.
ولا يجعلنا أقل عقلًا،
بل يجعلنا نكتشف أن في الإنسان شيئًا لا تحكمه الحسابات.
إنه المعنى وضدّه،
والشيء ونقيضه،
والقرب والبعد في قلبٍ واحد.
هو أن تقول:
«أريدك»،
وفي داخلك صوتٌ يقول:
«لكن لا أريد أن أفقد نفسي».
أن تقول:
«اقترب»،
ثم تخاف من شدة القرب.
أن تقول:
«ابقَ»،
وأنت تعرف أن بقاءه ليس شيئًا تستطيع فرضه.
الحبُّ في أجمل صوره ليس امتلاكًا،
بل اطمئنان.
ليس أن تضع يدك على قلب أحدهم وتقول: «أنت لي»،
بل أن تقول:
«أنا أثق بك، وأثق أن وجودك معي اختيارٌ يتجدد كل يوم».
فالحب الذي يحتاج إلى القيود كي يبقى،
ليس أمانًا؛
والحب الذي يحتاج إلى الخوف كي يستمر،
ليس حبًا كاملًا.
أما الحب الذي يمنحك حريةً ويمنحك معها أمانًا،
فذلك هو الحب الذي لا يختنق بالقرب،
ولا يموت بالمسافة.
وفي النهاية، ربما لا نحتاج من الحب أن يكون سهلًا،
ولا أن يكون كاملًا،
ولا أن يكون خاليًا من التعب.
نحتاج فقط أن يكون صادقًا.
فالصادق قد يتعبك،
لكنه لا يخذلك عمدًا.
وقد يختلف معك،
لكنه لا يهينك.
وقد يغضب منك،
لكنه لا يؤذيك.
وقد يبتعد قليلًا،
لكنه لا يجعلك تشعر أنك لا قيمة لك.
الحبُّ الصادق لا يعدك بأن لا تبكي،
بل يعدك ألا تبكي وحدك.
لا يقول لك: «لن تخاف»،
بل يقول: «إن خفت، سأبقى».
لا يقول: «لن تتعب»،
بل يقول: «إذا تعبت، سأحمل عنك بعض التعب».
وهكذا يظل الحبُّ أعجب مشاعر الإنسان؛
يأتيك في هيئة راحة،
ثم يعلّمك التعب.
يأتيك في هيئة فرح،
ثم يوقظ فيك القلق.
يأتيك في هيئة قرب،
ثم يريك معنى الفقد.
لكنه، رغم كل ذلك،
يبقى الشيء الوحيد الذي يجعل القلب يقول:
جميلٌ… لكنه صعب.
راحةٌ… لكنه تعب.
ابتسامةٌ… لكنها قلق.
فرحٌ… لكنه إجهاد.
قربٌ… لكنه خوف.
حبٌّ… لكنه أجمل تعبٍ اختاره القلب،
وأصدق وجعٍ لم نتمنَّ الشفاء منه.
لأن بعض الأوجاع، مهما أوجعتنا،
تبقى أحب إلينا من عافيةٍ لا نشعر فيها بشيء.
وبعض القلوب، مهما أتعبتنا،
تبقى أجمل من ألف قلبٍ لم نشعر معه بالحياة.
فالحبُّ ليس أن تعيش بلا خوف،
بل أن تجد في الخوف ما يستحق أن تخاف عليه.
وليس أن تعيش بلا تعب،
بل أن تجد في التعب معنى يستحق أن تتعب من أجله.
وليس أن تكون دائمًا سعيدًا،
بل أن يكون في حياتك من يجعل للحزن نهاية،
وللصمت معنى،
وللانتظار أملًا،
وللقرب وطنًا،
وللقلب… قلبًا آخر يشبهه.
وهذا هو الحب:
أن يجتمع فيك الشيء وضدّه،
فتحتار: أتبكي لأنك تحب،
أم تبتسم لأنك أحببت؟
وربما لا يكون الجواب مهمًا…
فبعض المشاعر لا تحتاج تفسيرًا،
يكفي أنها تُعاش.
وبعض الأحاسيس لا تُقال،
لأن الكلام مهما طال،
يبقى أقل من نبضةٍ صادقة في قلبٍ أحبّ…
ثم أحبّ أكثر،
ثم خاف أكثر،
ثم بقي رغم كل شيء.🦋
